اتسمت السنوات القليلة الفائتة، من ناحية الفلسطينيين في الداخل، على أحزابهم ومؤسساتهم وسلطاتهم المحلية كافة، بكونها سنوات حراك كان عنوانه "نصرة النقب"، وذلك في مواجهة تواتر نيات الحكومة الإسرائيلية مصادرة مئات آلاف الدونمات من السكان العرب الأصلانيين في تلك المنطقة.

في واقع الأمر، لا يرتبط هذا الموضوع بوجود العرب في منطقة النقب فحسب، وإنما ينطوي أيضًا على انعكاسات خطرة تتعلق بجوهر المعركة على الأرض بين الفلسطينيين في الداخل ودولة إسرائيل.

ومعروف أن كل ما بقي من الأراضي الخاصة التي كان يملكها فلسطينيو 48 في منطقتي الجليل والمثلث لا يزيد عن 650 ألف دونم. ومن هنا رأت "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في الداخل" أن المشاريع التي جاءت لمصادرة أراضي العرب في النقب تعتبر أكبر مخطط كولونيالي يستهدف وجودهم منذ نكبة 1948، وأن معركة النقب تُشكل بالتالي معركة فاصلة على ما تبقى من أراض عربية، بعد أن نالت المؤسسة الإسرائيلية من أراضي الجليل والمثلث والمدن الساحلية على مرّ الأعوام.
ووفقًا للإحصائيات التي جرت في فترة الانتداب البريطاني (سنة 1931) بلغ عدد البدو في النقب 65 ألف نسمة، وقدرت لجنة فلسطين للأراضي سنة 1920 الأراضي المفتلحة في قضاء بئر السبع بما لا يقل عن 75ر3 مليون دونم عدا أراضي الرعاية. كما تبين صور لسلاح الجو البريطاني من سنة 1945 أن جميع مناطق السكن في قضاء بئر السبع مفتلحة بالكامل، وهذا يدحض فرية إسرائيل بأن النقب صحراء بالكامل وأن أهلها بدو رحل. وقد احتفظ أهالي بئر السبع بملكيتهم لأراضيهم بحسب قانون العرف والعادة لعدة قرون، وفلحوها وعاشوا فيها. كما أكد وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرتشل، لدى زيارته للقدس سنة 1921 بحضور أول مندوب سام بريطاني هو هربرت صموئيل، نيابة عن الحكومة البريطانية، حق الأهالي في ملكية أرضهم بحسب قانون العرف والعادة ("وعد تشرتشل للبدو") وصدرت بيانات رسمية وحكومية في هذا الشأن. وتم احتلال بئر السبع من جانب الجيش الإسرائيلي في الفترة الواقعة بين تشرين الأول وكانون الأول 1948، واقترن ذلك بترحيل 90 بالمئة من سكان النقب خارج حدود الدولة، حيث أصبحوا لاجئين. والأغلبية العظمى منهم جرى تهجيرها إلى الأردن وقطاع غزة، حيث أن عدد اللاجئين من قضاء النقب، وفقا لإحصاء جرى سنة 1998، بلغ 813ر555 نسمة، ومن تبقى في هذا القضاء بعد حملة التهجير- وكانت نسبتهم 10 بالمئة وتعدادهم لا يتجاوز 10 آلاف نسمة- تم تهجيرهم وتركيزهم في منطقة جغرافية محدودة محاذية للحدود الأردنية - الإسرائيلية آنذاك وتسمى "منطقة السياج"، والممتدة شرقي شارع بئر السبع - الخليل، بمحاذاة الخط الأخضر حتى تل عراد، ومن هناك حتى ديمونا - بئر السبع.

وبتاريخ 2 أيار 1971 بدأت الحكومة الإسرائيلية حملة لتسجيل الأراضي في النقب، بهدف تسجيل أراضي السكان الذين تم ترحيلهم خارج الحدود على اسم دولة إسرائيل بحجة أنها "أملاك غائبين"، وقام سكان النقب العرب بتقديم طلبات ملكية على مليون دونم. لكن الحكومات الإسرائيلية لم تعترف بالقرى العربية في النقب بما في ذلك القرى القائمة قبل إقامة الدولة. وكانت البلدة الأولى التي تم الاعتراف بها سنة 1968 هي تل السبع، وبعد ذلك أقرت الحكومات الإسرائيلية تجميع السكان العرب في النقب في سبعة تجمعات سكنية، وفي المقابل تبنت الحكومات اقتراحات طاقم حكومي بأن لا تعترف بملكية البدو على أراضيهم على أساس أن كل أراضي النقب موات، معتمدة على قانون صدر سنة 1920 إبان فترة الانتداب البريطاني يناقض قانون الأراضي العثماني من سنة 1858، الذي ينص على أن من أحيا أرضًا مواتًا يحصل على حقوق ملكية عليها، أما القانون البريطاني الذي أقر بضغط من الوكالة اليهودية فينص على أن من يفلح أرضًا مواتًا لا يحصل على حقوق ويعتبر مخالفًا للقانون. غير أن الحكومة الإسرائيلية ومع رفضها الاعتراف بحقوق الملكية أعلنت أن أي مواطن عربي يتنازل عن حقوقه في أرضه يحصل على تعويض بأرض بديلة بنسبة 20 بالمئة من مساحة أرضه، وعلى تعويض مالي عما تبقى.

وبعد أن فشلت مخططات الحكومة الإسرائيلية في ترحيل العرب من النقب وتركيزهم ودفعهم للتنازل عن أراضيهم عنوة جاءت المخططات الأخيرة، متمثلة بداية في لجنة القاضي المتقاعد غولدبرغ التي شكلت في 28 تشرين الأول 2007 وقدمت توصياتها في 11 تشرين الثاني 2008، ولأن التوصيات لم ترق للحكومة- رغم أنها لم تلب الحد الأدنى من مطالب عرب النقب- أقامت هذه الحكومة لجنة جديدة لبحث توصيات لجنة غولدبرغ، بحجة أن هدف اللجنة الجديدة هو وضع آليات لتنفيذ توصيات اللجنة السابقة. وكان الجديد في هذه اللجنة أن رئيسها إيهود برافر، وهو عضو في "مجلس الأمن القومي"، ومدير قسم التخطيط الإستراتيجي في ديوان رئاسة الحكومة، وبعكس لجنة غولدبرغ الذي كان في عضويتها اثنان من المجتمع البدوي من بين ثمانية أعضاء اللجنة، فإن لجنة برافر لم تضم في عضويتها أي ممثل عن أصحاب القضية التي يبحثونها ويقررون مصيرها، كما أنها لم تلتق ولم تستمع إلى موقف أي من العرب في النقب.

وأقيمت لجنة برافر في 18 كانون الثاني 2009، وأنهت عملها وقدمت توصياتها إلى الحكومة في 3 أيار 2011، وتم تحويل التوصيات إلى رئيس "مجلس الأمن القومي" الجنرال يعقوب عميدرور، وهو معروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة. وبعد إدخال التعديلات "الأمنية" للجنرال عميدرور جرى تحويل التوصيات إلى الوزراء حيث تم إدخال تعديلات على البند رقم 10 للقرار الحكومي بشكل جعل الخطة تتضمن تصفية نهائية لأراضي العرب في النقب.

ما تجدر الإشارة إليه أن كل من عمل في إعداد هذا المخطط، وكذلك جميع القائمين على تنفيذه، هم من رجال المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. ومجرّد ذلك يدل على أن حكومة إسرائيل تتعامل مع فلسطينيي 48 بعقلية عسكرية، وعلى أنهم قضية أمنية، وخطر قومي.

ومع أن هذا المخطط تم إرجاؤه (أساسًا من أجل نسج ما هو أشد منه وأدهى)، لا يخفي كبار المسؤولين و"الخبراء" في الشؤون الجغرافية والديمغرافية أن تنفيذ غاياته المحدّدة بمصادرة أراضي العرب يعتبر بالنسبة إلى إسرائيل "مهمة قومية" من الدرجة الأولى، تفرضها، أيضًا، الضغوط السكانية الشديدة في وسط الدولة، والحاجة إلى تخفيف الحضور العسكري الكثيف المنتشر حول منطقة تل أبيب الكبرى، حيث أن الجيش الإسرائيلي أعد خططًا متعددة لنقل عدد كبير من قواعده العسكرية إلى النقب بهدف إخلاء أراض في مناطق الوسط وتخصيصها لمشروعات سكنية، أو لمشروعات مدنية أخرى.

وكان تقرير صادر عن ديوان مراقب الدولة الإسرائيلية أشار إلى أن 80 في المئة من أراضي الدولة (باستثناء الأراضي الموجودة في الضفة الغربية المحتلة) موجودة في يد المؤسسة الأمنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتقوم هذه المؤسسة باستعمال نصف هذه الأراضي لأغراضها الخاصة، بينما تفرض قيودًا مشدّدة على استعمال النصف الباقي، في وقت تحتاج فيه الدولة بصورة ماسة إلى الأرض. كما أنه أبدى استغرابه من قيام المؤسسة الأمنية بمحاولات فرض سيطرتها على مزيد من أراضي الدولة.

في الوقت نفسه نشير إلى أنه في مطلع 2009 نُشر في إسرائيل كتاب بعنوان "بلد باللون الخاكي- الأرض والأمن في إسرائيل" من تأليف الباحثين عميرام أورن ورافي ريغف. وقد عرضا فيه بشكل مفصل خريطة الامتداد أو الانتشار الأمني الإسرائيلي من الناحية الجغرافية، وبيّنا أنه على الرغم من شحّ الأرض في إسرائيل فإن ما يقارب نصف مساحة الدولة يتبع للمؤسسة الأمنية أو أنه واقع تحت تأثيرها. وتمتد هذه الأراضي في كل أنحاء البلد، في الوسط والأطراف، وفي المدن الكبرى والصغرى، وفي الجبال وشواطئ البحر، وكذلك في المناطق المأهولة والمفتوحة، وفي هذه المساحة كلها ثمة بنى تحتية أمنية ومناطق عسكرية. وأكدا أن الحديث يدور حول ظاهرة جغرافية ليس لها مثيل من ناحية حجمها مقارنة بدول العالم الأخرى. كما أبديا دهشتهما من اكتشاف أن "دولة إسرائيل المدنية" من حيث المساحة تعتبر أصغر كثيرًا مما كانا يعتقدان في السابق، وشدّدا على أن الجيش هو بمثابة "دولة ظل" بدلًا من أن يكون تابعًا لدولة ذات سيادة.

إن عودة موضوع النقب إلى صدارة المعارك من خلال ما جرى أخيرًا في قرية أم حيران التي قمنا بتغطية قضيتها بتوسع في هذا العدد، تعيدنا إلى شعار "احتلال الأرض" الصهيوني الكلاسيكي الذي لم يكن شعارًا للتيارات اليمينية فحسب، وإنما كان أيضًا شعارًا لتيارات صهيونية "يسارية" تدعي الاعتدال. وما يحدث على أرض النقب الآن يثبت أن هذا الشعار لا يزال منذ بداية المشروع الصهيوني بمثابة "فريضة" وهدف أساس لكل صهيوني، من اليمين إلى اليسار.