أفرزت القضية التي باتت تُعرف باسم "قضية إليئور أزاريا" (جندي جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي أقدم بدم بارد في آذار 2016 على إعدام الشهيد عبد الفتاح الشريف في الخليل حتى وهو جريح وممدّد على الأرض ولا يشكل "خطرًا" على أحد) الكثير من اللحظات التي جرى فيها الإعراب عن "مواقف بهيمية صريحة" بعضها لا يحتكم إلى الأخلاق أو حتى إلى الحدّ الأدنى من المعقولية السياسية.

وجاء جزء من هذه المواقف واشيًا بحقيقة أن "الاحتلال والأخلاق" هما بمثابة "أوكسيمورون"!

ويكفي للدلالة على هذه الحقيقة أن أشير إلى المقال الافتتاحي الذي أنشأته هيئة تحرير الموقع الإلكتروني اليميني "ميداه" تحت العنوان: "اليوم الذي تبنى فيه الجيش الإسرائيلي أخلاق (مركز) بتسيلم".

وللعلم فإن هذا الموقع أسسه الرئيس الحالي للطاقم الإعلامي في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية ران بيرتس في أيلول 2012، ويعبّر- كما جاء في تعريفه- عن وجهة نظر محافظة من الناحية الثقافية، ووجهة نظر نيو- ليبرالية من الناحية الاقتصادية. ويضع الموقع نصب عينيه هدف "تقديم معلومات ومواقف غير متداولة في الخطاب الشائع في وسائل الإعلام الإسرائيلية".

وهو مقال افتتاحي مؤلف من نحو 800 كلمة (باللغة العبرية).


وبرأيي أن الفقرة الأهم فيه هي التي ترجمتها الحرفية ما يلي:
"حسم قضاة المحكمة العسكرية في تل أبيب (الذين أدانوا أزاريا بارتكاب جريمة القتل غير العمد بحق الشريف) موقفهم ضد روحية القتال في الجيش الإسرائيلي، والتي تقرّر بشكل غير قابل للتأويل أن هدف الجيش هو تحقيق الانتصار على العدوّ، وذلك لصالح روحية جديدة وغريبة تضع "التفوّق الأخلاقي" فوق أي اعتبار آخر. إن التعامل مع مخرب جريح بصفته "إنسانًا" تساوي حياته حياة مواطنين أو مقاتلين من الجيش الإسرائيلي هو تعامل مرفوض من أساسه. فالمخرب هو مخرب، وفقط مخرب. ومنذ اللحظة التي قرّر فيها أن يرفع يده على جندي أو مواطن (مستوطن) فقد حكم على نفسه بالموت- حتى وإن كانت أوامر إطلاق النار تستلزم في بعض الأحيان عدم إطلاق الرصاص. وبطبيعة الحال لا يجوز في أي وضعية أن يتحول إطلاق نار على مخرّب، حتى لو كان مخالفًا للأوامر، إلى عملية قتل أو إلى مخالفة قتل ليس عن طريق العمد. إن إدراج ما فعله أزاريا ضمن إطار جنائي يشكل خنوعًا غير مشروط لروحية اليسار المتطرّف الذي يرى في جنود الجيش الإسرائيلي جلاوزة وقاتلين محتملين، ويرى في المخربين الذي يعتدون على النساء والأولاد والمواطنين (المستوطنين) "مقاتلين من أجل الحرية"، ويبرّر الإرهاب الفلسطيني بكونه ردًّا شرعيًّا على ممارسات إسرائيل... إن الرسالة الموجهة من وراء ذلك إلى جنود الجيش والمواطنين في إسرائيل هي رسالة قاسية فحواها: في لحظة الحقيقة يؤثر قادة الجيش المشاركة في الجنازات على الوقوف أمام محاكمات كاميرات بتسيلم".

كانت هناك في المقابل لحظات صراحة أخرى متضادة لكن نادرة.
ومنها، مثالًا لا حصرًا، مقال كتبه الصحافي من "هآرتس" غدعون ليفي، وتُرجم إلى العربية ونُشر في أكثر من صحيفة تحت العنوان "إليئور وعبد"، وعقد فيه مقارنة بين أزاريا والشريف بموجب القراءات الإسرائيلية المُغرضة القائمة على نزعة التطهّر الفاشية.

وممّا توقف عنده ليفي أنه منذ أن تحول الشريف إلى "مخرّب"، وهو الاسم الدارج الذي يتم إطلاقه على أي فلسطيني يتجرأ على مقاومة الاحتلال بالقوة، فقد اسمه وإنسانيته وشخصيته. والصورة الوحيدة التي بقيت منه هي جثة ملقاة على الطريق مثل جيفة، والدم يتدفق من رأسه ويسيل على الأرض، والجنود والمستوطنون يدورون حوله مثل وحوش كاسرة، والمضمّد أزاريا وشخص من نجمة داود الحمراء (الإسعاف الأولي) يدعى عوفر أوحانا لم يخطر ببالهما تقديم المساعدة له كما هو مفروض.

وبرأي ليفي، لم يهتم أحد بحياة الشريف، ولا أحد يهتم بموته أيضًا. ولو كان قطّ شوارع لكان قتله أثار الشفقة والزعزعة في إسرائيل، ولكن لسوء الحظّ لم يكن الشريف قطًا بل كان "مخربًا".
بقدر ما إن كلام مقال الموقع اليميني الافتتاحي السالف يعكس ماهية الحالة الإسرائيلية الراهنة، بقدر ما إن مهمة أمثال ليفي وجهودهم تشكل مثالًا مأساويًا مستمرًا على مجهود سيزيفي يثبت يومًا بعد يوم أن ليس له سوى أمل ضئيل في ترسيخ الوعي بأن الاحتلال والأخلاق يناقض أحدهما الآخر.