نخصّص هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي"، ونحن على أعتاب نهاية عام آخر (2016)، لقضيتين ذواتي صلة:

الأولى، الجدل الدائر بين أوساط سياسية إسرائيلية تقف على ما يُسمى "الضفة اليسرى" من الخريطة الحزبية، بشأن ما إذا كان لا يزال هناك ما تدعوه بـ"اليمين الإسرائيلي العقلاني" الذي بالوسع إقامة نوع من التحالف معه لـ"بناء مستقبل" أفضل.
الثانية، الاحتمالات المتداولة حول "الأفق السياسي" المُتـاح فيما يتعلّق بعملية تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

ويمثّـل على الجدل الدائر في نطاق القضية الأولى المقال المنشور في الصفحة الخامسة، والذي يعتقد كاتبه برغم كل ما جرى أنّ ثمة "يمينًا عقلانيًا" في إسرائيل. بيد أن "عقلانيته" تنحصر أساسًا في فهم كون الديمقراطية الجوهرية ليست حكم الأغلبية فقط (حكم الأغلبية ليس غير تعبير عن الديمقراطية الشكلية الضيقة) وإنما هي أيضًا، وبشكل أساس في بعض الأحيان، حماية الحقوق الأساسية الدستورية للأقلية وللفرد.

لكن بموازاة ذلك ما يزال هذا اليمين راغبًا في استمرار السيطرة العسكرية، التي تدوس حقوق الإنسان الأساسية، على حياة ملايين الفلسطينيين مسلوبي المواطنة ومسلوبي الحق في إقامة دولة وطنية خاصة بهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، والمتواصلة منذ حزيران 1967 وحتى اليوم.

ويؤكد الكاتب أن هذا تناقض داخلي صارخ ومُحزن في عقيدة أعضاء "اليمين الليبرالي والنزيه". فمن جهة، هم يعارضون عسف الأغلبية حيال الأقلية ويحاربون من أجل تحصين حقوق الأقلية والفرد في وجه تعدّيات الأغلبية وحكمها. لكن هذا يسري في داخل "دولة إسرائيل" فقط. وهذا هو منبع النقد الشديد الذي توجهه بقايا اليمين الليبرالي إلى نهج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الأرعن والأهوج (الحديث يدور اليوم، بصورة أساسية، حول رئيس الدولة رؤوفين ريفلين وعضو الكنيست بيني بيغن، فيما كان يشمل في الماضي، أيضًا، الوزيرين السابقين ميخائيل إيتان ودان مريدور وإلى حد ما الوزير دافيد ليفي أيضًا). لكنهم، من جهة أخرى، يلوذون بالصمت المطبق حيال الادعاء الذي يطرحه "اليسار" بشأن عدم القدرة على الاحتفاظ بنظام ديمقراطي معقول وحمايته طالما بقي يصون حقوق الإنسان والمواطن في داخل "حدود دولة إسرائيل السيادية"، من ناحية، فيما يعمق الدكتاتورية العسكرية الصارمة التي تحمل بعض علامات الفصل العنصري (الأبارتهايد) بين مئات آلاف المستوطنين الإسرائيليين وملايين الرعايا الفلسطينيين في الضفة الغربية، من ناحية ثانية.

أمّا القضية الثانية فيمثل عليها المقال المنشور في الصفحة الثالثة من هذا العدد.

وقد ارتأينا ترجمته نظرًا إلى كونه يشكل إحدى وجهات النظر الإسرائيلية المستجدة إزاء عملية تسوية القضية الفلسطينية.

ويعيد هذا المقال إنتاج الحكاية المُستهلكة في هذا الصدد، ومؤداها أنه منذ "رؤية" رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحاق رابين إزاء التسوية الدائمة في العام 1995 (بعد التوصل إلى "اتفاق أوسلو")، طرأ "تراجع عميق في المواقف التي عرضها مندوبو إسرائيل في المفاوضات" في وقت لاحق (ولا سيما في كامب ديفيد عام 2000، وفي أنابوليس عام 2007)، في حين أن مواقف الفلسطينيين "ظلت على حالها بل وازدادت تطرفًا". ويزعم كذلك أنه اتضح مرة تلو الأخرى أن "مطالب الفلسطينيين لا تنتهي بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، على الأقل لغاية الآن، وبالتالي لم يلتقِ الطرفان في مسار أو أفق سياسي مشترك". ويرهن تدشين مثل هذا الأفق السياسي في المستقبل فقط بـ"حدوث تغيير على هذا التوجه أو الموقف الفلسطيني".

ولا يفوت كاتب المقال أيضًا أن ينوّه أنه ليس هناك حاليًا أي أفق سياسي مشترك للتوصل إلى تسوية دائمة، فضلًا عن أن الهزّة التي اجتاحت الشرق الأوسط ("الربيع العربي") ترتبت وتترتب عليها انعكاسات سلبية فيما يتعلق بأي تسوية يجري تداولها.

وبقدر ما إن كل هذا الجدل يبدو إسرائيليًا داخليًا محضًا فإنه يعنينا بدرجة ليست أقل، لكونه يسلط الضوء على الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل فيما يختص بسؤال التسوية السياسية.

ولدى محاولة كاتب المقال حول ملامح "الأفق السياسي" أن يستحصل نتائج جولات المفاوضات التي جرت حتى الآن منذ "اتفاق أوسلو"، توصّل ما يلي: "في الوقت الذي كان فيه حق الفلسطينيين في الحصول على دولة مستقلة في عهد رابين مسألة خاضعة للتفاوض، ولم تكن مسألة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية مطروحة على بساط البحث، فقد أضحى حق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم مسألة مفروغًا منها في العالم، بينما أصبحت إسرائيل هي التي تكافح من أجل الحصول على اعتراف فلسطيني بهويتها كدولة يهودية. وانطلاقًا من هذا الوضع الجديد، يحاول الرئيس أبو مازن في السنوات الأخيرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بمعزل عن التوصل إلى تسوية دائمة، وذلك عن طريق ممارسة ضغط دولي على إسرائيل كي تنسحب من الضفة الغربية".

وفي هذا ما يؤشر إلى الواقع الإسرائيلي الراهن وربما إلى إحالاته المقبلة، وذلك بمثل ما يؤشر إليه إقرار مشروع قانون شرعنة المستوطنات "غير القانونية"، المسمى "قانون التسوية"، بالقراءة التمهيدية، بتأييد أعضاء الكنيست من الأحزاب الائتلافية المختلفة.

وحتى بموجب تحليلات قانونية إسرائيلية (طالع عنها في هذه الصفحة) سيؤدي "مشروع قانون التسوية" في حال إقراره نهائيًا إلى تغيير "قواعد اللعبة" في ثلاث قضايا جوهرية ومركزية هي: 1. سلب الممتلكات الخاصة والاستيلاء عليها بالقوة وبطريقة غير قانونية؛ 2. فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية المحتلة من خلال تشريع قانوني يُقرّه الكنيست بما يتناقض جوهريًا مع القانون الدولي وأحكامه؛ 3. تشريع استثنائي يلغي قرارات حكم قضائية نهائية صادرة عن المحكمة.

وبناء على ذلك اعتبر الناطقون المفوّهون بلسان اليمين الإسرائيلي المتطرّف أن أسبوع إقرار مشروع القانون هذا، يعتبر تاريخ بداية الانقلاب المضاد لمعسكر "أرض إسرائيل".

ووفقًا لأحد هؤلاء الناطقين (نداف هعتسني، "معاريف") يهدف هذا الانقلاب المضاد "إلى تحويل اليهود من سكان يهودا والسامرة (الضفة الغربية) إلى مواطنين كما بقية المواطنين الإسرائيليين (اليهود) وليس مواطنين من الدرجة الثانية، وهو انقلاب ينوي تحقيق الرؤى الصهيونية الكلاسيكية- الاستيطان، وتحقيق الاستقلال غير القابل للقضم. كما أنه انقلاب مضاد موجه ضد السيطرة التاريخية للأقلية على الأكثرية، وضد هرمية سلطوية وقضائية نقيضة (للأكثرية) فرضت رؤيتها للأمور وجرى انتهاجها في الجيل الأخير، والتي في إطارها الشعب ينتخب أعضاء الكنيست والوزراء، لكن من يضع قيم الدولة وسياستها هم قضاة محكمة العدل العليا والمستشار القانوني"!.

لا بُد من أن نستدرك ونشير إلى أن الوقوف في وجه هذا المدّ اليميني المتطرف من جانب معظم الأوساط السياسية الإسرائيلية، يأتي بعد أن ازدادت في الفترة الأخيرة الإشارات التي تؤكد أن محاولات تحقيق أهداف هذا التيّار وفرضها على المجتمع والنخب والمؤسسات، سوف توصل، بالحتـم، الى نظام غير ديمقراطي حتى بالنسبة للمجتمع اليهودي ذاته، ولو استعمل أدوات الديمقراطية الشكلية وحكم الأغلبية. ومع ذلك فإن ما يُقال في سياق تحليل ذلك يوفّـر معرفة مهمة حول الوضع الإسرائيلي الآن، وما قد يترتب عليه بالنسبة للفلسطينيين كافة.