ردًّا على الهجوم الذي تعرضت له منظمة "بتسيلم" ("المركز الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة") من طرف أقطاب الحكومة واليمين والوسط في إسرائيل، على خلفية مشاركة مديرها العام حجاي إلعاد في الجلسة التي عقدت في مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة الفائت وأكد خلالها أن الاحتلال والمستوطنات

في الأراضي الفلسطينية سبب الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، كتب إلعاد مقالًا في صحيفة "هآرتس" أول من أمس الأحد بعنوان "لماذا تحدثت في مجلس الأمن ضد الاحتلال"، قال فيه من ضمن أمور أخرى: "تحدثت في مجلس الأمن ضد الاحتلال لأنني توصلت وزملائي في بتسيلم وبعد سنوات طويلة من العمل إلى بضع خلاصات، من بينها أن الوضع لن يتغير إذا لم يتدخل العالم. وأعتقد أنه حتى حكومتنا المتغطرسة تدرك هذا، لذا نراها منهمكة جدًا في التخويف ضد مثل هذا التدخل وضدنا. إن تدخل العالم ضد الاحتلال هو تحرك مشروع مثل أي تحرك يتعلق بموضوع حقوق الإنسان، فكيف بالأحرى عندما يتعلق الأمر بقضية مثل سيطرتنا على شعب آخر. إن هذا ليس شأنًا إسرائيليًا داخليًا، بل هو موضوع دولي بامتياز... كما أنه ليس هناك خيار لأن يواصل العالم التعامل مع هذه المسألة كما تعامل معها حتى الآن: كلام كثير وصفر أفعال".

وبقدر ما إن هذا الكلام مُوجّه إلى الإسرائيليين، فإنه أيضًا موجّه إلى العالم أجمع بما في ذلك العالم العربي.

ويظهر من تحليلات كثيرة حول آخر الأوضاع في إسرائيل أنه نشأت داخلها حالة إنكار عامة موبوءة لواقع الاحتلال من طريق تجاهل الشعب الفلسطيني وحقوقه، بحيث يبدو التعويل على حدوث تغيير كبير من الداخل بهذا الشأن مضيعة للوقت والجهد.

وتدافع عن المؤسسة السياسية التي تؤجج حالة الإنكار هذه آلة إعلامية خضعت وما تزال تخضع لتحولات تجعلها مطواعة أكثر ونقديـة أقل، حسبما أشير في مواد التغطية الخاصة ضمن هذا العدد (طالع ص 5).

وتدبّج جوقة كتبة وإعلاميين محيطة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحكم اليمين "وثائق دفاع" عن سياسة إسرائيل الخارجية في ظل ولاياتهما المتكررة (طالعوا إحدى هذه الوثائق ص 2).

وفي القسم الثاني من هذه الوثيقة الذي سننشره في العدد المقبل، يكيل الكاتب المديح لنتنياهو إلى درجة أسطـرته، فيكتب قائلًا: إن مُنتقدي نتنياهو لا ينجحون في تقدير حجم ومدى تعقيد التحديات الماثلة أمام إسرائيل والطريقة التي تضطر فيها إلى التكيّف بسرعة مع الأوضاع المتغيرة، والتي تجعل فرضيات عمل قائمة عديمة المغزى. ولقد نجحت إسرائيل في ظل حكم نتنياهو في البقاء خارج دائرة الحروب التي جرت كثيرين آخرين للانغماس في دوامتها، كما نجحت في تحسين مكانتها الدبلوماسية وإظهار مرونة سياسية وإبداء قدر كبير من الحزم في الوقت ذاته إزاء خطوط حمراء، وضمان أمن سكان الدولة. وفي مقاييس الشرق الأوسط، وليس فيه فقط، فإن الحديث يدور هنا حول إنجازات لا بأس بها.

لكن كما ذكرنا أعلاه يظل لمنظمات مثل "بتسيلم" وغيرها رأيًا مغايرًا.

كما أن مؤسسة الجيش لها رأي مغاير، حسبما تشفّ عن ذلك رؤية رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت، حيال القضايا والأوضاع الأمنية - العسكرية التي يواجهها الجيش وحيال "التحديات" التي يرى أنها ماثلة أمام إسرائيل، والتي عرضـها أمام المؤتمر السنوي لـ"معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب في بداية العام الحالي، ونشر المعهد نصها أخيرًا .

وقد تطرّق آيزنكوت إلى الحلبة الفلسطينية فاعتبر أنها "الحلبة الأكثر إزعاجًا (لدولة الاحتلال) في المدى القصير".

لكن الأهم من ذلك أن قائد الجيش اعترف بأن الوضع الناشئ جديد كل الجدة، وبأنه من أجل التعامل معه ينبغي فهم التيارات العميقة النشطة في المجتمع الفلسطيني، وأشار إلى أن الجيوش وأجهزة الاستخبارات تركز عادة على قطبين: القطب الأول يشمل صناع القرار وأجهزة القيادة لدى الخصم، والقطب الثاني هو قدراتهم. غير أن التيارات العميقة النشطة لدى الجانب الآخر موضوع يصعب فهمه "وهي الأكثر إزعاجًا".

بناء على ذلك يقرّ آيزنكوت، وإن بصورة غير مباشرة، بهزيمة مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية من جراء الإخفاق في استشراف قدرات المقاومة لدى الشعب الفلسطيني.

وتتباهى إسرائيل بأن مؤسستها الاستخباراتية تعكس فرادة عقل نخبها، وبالتالي فإن فشلها يشفّ عن ختل هذا العقل.
ومع أن آيزنكوت أقرّ بما سبق ذكره إلا إنه لم يطرح مقاربة من شأنها التحرّر من التفكير القائل إنه إذا كانت لدى إسرائيل استخبارات جيدة، ففي مقدورها أن تتغلب على كل المشكلات الخارجية والأمنية. وكان أحد أساتذة الإعلام في إسرائيل أشار قبل عقد من السنوات، في سياق آخر، إلى أن هذا التفكير يشكل قدمًا واحدة لمفهوم أعوج تحيا إسرائيل معه طوال أعوام كثيرة على الرغم من أنه يقلب لها ظهر المجّن مرة تلو الأخرى، والقدم الثانية هي الاعتقاد بأنه إذا كانت لديها دعاية أفضل لأصبحت "ملكة العالم".

وبموجب ما أكد إلعاد في مقاله السالف، لم تعد هناك فرصة للمجتمع الإسرائيلي كي يستيقظ من تلقاء نفسه ومن دون مساعدة من كابوس الاحتلال. فهناك آليات كثيرة تستخدم لإخفاء العنف الذي تتم ممارسته يوميًا للسيطرة على الفلسطينيين. وتراكمت ذرائع ومخاوف كثيرة وغضب كبير - لدى الطرفين - خلال خمسين عامًا، وأعرب عن تأكده من أنه في نهاية الأمر سيقوم الإسرائيليون والفلسطينيون بإنهاء الاحتلال، لكن لن ينجحوا في القيام بذلك من دون مساعدة العالم.