"منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين الفائت ينفّذ الجيش الإسرائيلي سياسة الفصل والتمييز في قلب مدينة الخليل. وضمن ذلك أغلق الجيش شوارع رئيسية في المنطقة أمام حركة المرور الفلسطينية بعضها بشكل تامّ وفي بعضها الآخر يُسمح عبور المشاة فقط. وبالرغم من هذا الواقع القاسي، قرّر الجيش في شهر أيار 2017 مزيداً من التشديد في القيود، الصارمة أصلاً، المفروضة على حركة الفلسطينيين"- هذا ما جاء في تقرير جديد نشرته منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان

الأسبوع الماضي وأكدت فيه أن هذه السياسة أدّت إلى انهيار وسط المدينة، الذي كان بمثابة مركز تجاري يؤمّه سكّان المنطقة، وإلى رحيل الآلاف من سكانه. وأشارت إلى أن وسط المدينة الآن بات شبه مهجور والسكان الّذين بقوا هناك يعانون من الاعتداءات والمضايقات اليوميّة من جانب أفراد قوّات الأمن والمستوطنين الذين انتقلوا للعيش هناك تحت حمايتهم. كما أن المسّ الخطير بعشرات الآلاف من الفلسطينيين، والذي يشكّل عقاباً جماعياً، لا يتيح لهم إدارة حياتهم على نحوٍ معقول، بل ويحوّل حياتهم إلى جحيم لا يُطاق. وبهذه الطريقة تدفع إسرائيل الفلسطينيين للخروج من مركز المدينة عبْر سياسة "الترانسفير الهادئ" والمتواصل.

وأشار التقرير إلى إطالة جدار الفصل والتمييز في شارع السلايمة، فكتب: شارع السلايمة هو أحد الشوارع الرئيسية التي يحظر الجيش فيها حركة المركبات الفلسطينية، وهو الشارع الرئيسيّ لحيّ فلسطينيّ يحمل الاسم نفسه. لهذا الشارع والذي يؤدّي إلى الحرم الإبراهيمي مدخلان نُصب فيهما حاجزان: من الغرب حاجز المخبز "المأفياه" ومن الشمال حاجز "سفساليم". ومع مرور السنين غيّر الجيش من حين لحين بُنية حاجز "المأفياه" والقيود التي يفرضها على عبور الفلسطينيين منه. ففي عام 2012، نصب الجيش على امتداد الشارع جداراً يقسمه إلى قسمين: شارع رئيسيّ معبّد خُصّص لليهود فقط، وسُمح فيه بمرور المركبات والمُشاة، ومسار ضيّق وغير ممهّد ينتهي بدرج خصّصه الجيش لعبور المشاة الفلسطينيين. وفي شهر آذار 2013 ألغى الجيش الفصل، وذلك في أعقاب شريط مصوّر نشرته منظمة "بتسيلم" وثّقت فيه رجال شرطة حرس الحدود وهم يوضّحون أنّه يُسمح لليهود فقط بالمرور في القسم الرئيسيّ والمعبّد من الشارع، لكنّ الجيش أبقى الجدار على حاله. وفي كانون الثاني 2015 أعاد الجيش العمل بنظام الفصل في الشارع، ومنذ ذلك الوقت وهو يمنع الفلسطينيين من العبور من القسم المعبّد من الشارع فهو مخصّص للمستوطنين اليهود. أمّا سكّان الحيّ الفلسطينيون فيوجّههم الجيش إلى طريق جانبيّة ضيّقة وغير ممهّدة، ويظهر هذا مصوّراً في شريط آخر أعدّته المنظمة. وفي شهر أيار 2017 عمّق الجيش الفصل عندما أتمّ بناء جدار يغلق في وجه الفلسطينيين مقطعاً إضافيّاً من الشارع يؤدّي إلى حيّ "غيث"، ونصب عند نهاية الجدار الجديد بوابة مقفلة. في البداية عُيّن في المكان شرطي من أفراد حرس الحدود كان يفتح البوابة لسكّان الحي الذين أرادوا الدخول أو الخروج منها. لكن بعد يومين أقفل الجيش البوابة، وأبقاها مقفلة لمدّة ثلاثة أيام متواصلة. وأبلغ ضابط من حرس الحدود بعض سكان الحي الذين تجمّعوا عند البوابة أنّها ستكون مغلقة طوال الليل، من منتصف الليل حتى الساعة 6:00 صباحاً، وأنّه من الساعة 6:00 صباحاً وحتى منتصف الليل سيأتي لفتحها أفراد حرس الحدود الواقفون عند حاجز "المأفياه" القريب، كلّما تجمّع عدد كافٍ من الناس، وفق تقديرهم.

من الإفادات التي قدّمها سكّان الحي لمنظمة "بتسيلم" تبيّن أنّه لا يتمّ تطبيق الإجراء الموصوف أعلاه أيضاً: فمثلاً، من 15 إلى 21 حزيران كانت البوابة مقفلة طيلة الوقت، ولم يسمح أفراد الشرطة لأحد بالعبور منها. ومنذ ذلك الوقت تبقي الشرطة البوابة مفتوحة في بعض الأيام لمدّة ساعات طويلة بحيث يمرّ منها الناس بحرّية، ولكن في أيام أخرى لا تسمح الشرطة بالعبور سوى لساعات قليلة. أي أنّ إغلاق البوابة وفتحها يتمّ على نحوٍ تعسّفي، ما يُبقي السكّان في حالة من اللايَقين الدائم فلا يعلمون هل سوف يتمكنون من العبور من هناك أم لا. المسار البديل الذي يُجبَر الناس على سلوكه عندما تكون البوابة مغلقة يطيل طريقهم بدقائق كثيرة، كما أنه يمرّ في أزقّة معتمة وأدراج كثيرة بحيث أنه صعب للمشي ومحفوف بالمخاطر في ساعات الليل.

وتطرّق التقرير إلى وادي النصارى والحريقة وجبل جوهر، وهي أحياء فلسطينيّة في الجهة الجنوبيّة من مدينة الخليل، ويبلغ تعداد سكّانها نحو 45 ألف شخص، فقال إنه بجانب هذه الأحياء أقيمت عام 1972 مستوطنة كريات أربع، والطريق من المستوطنة إلى الحرم الإبراهيمي يمرّ من الشارع الرئيسيّ الذي يربط الأحياء الثلاثة المذكورة، ويسمّيه الجيش "مسار المصلّين". في عام 2002 أنشأ الجيش جداراً طوله 300 متر فصل حيّ وادي النصارى عن الشارع، وذلك بعد أن قتل فيه فلسطينيّون 12 من أفراد قوّات الأمن. منذ ذلك الوقت يمنع الجيش الفلسطينيين من العبور من ذلك الجزء من الشارع، ويوجّههم عوضاً عن ذلك إلى أرض صخريّة محاذية له. في عام 2002، نصب الجيش بوابة فصلت حي وادي النصارى عن حيّ جبل جوهر وحيّ الحريقة. بدايةً حظر الجيش تماماً عبور الفلسطينيين من البوابة. بعد مرور حوالي عام، بدأ بالسماح بعبور الفلسطينيين سيراً على الأقدام، وفي عام 2014 أصدر تصاريح عبور للمركبات فقط لمئة من سكّان هذه الأحياء. في أعقاب الهبة الشعبية التي اندلعت في نهاية عام 2015 ألغيت أيضاً هذه التصاريح، ومنذ ذلك الوقت يُسمح للفلسطينيين بالمرور من هذه البوابة فقط سيراً على الأقدام. وأحياناً يقف هناك جنود في عطلة نهاية الأسبوع والأعياد اليهوديّة ويفرضون قيوداً على حركة المشاة. في 22 أيار 2017 نصب الجيش جنودا على البوابة وبدأ بمنع الفلسطينيين من عبور هذه الطريق حتّى سيراً على الأقدام أيضاً. وابتداء من نهاية شهر حزيران، يمنع ويسمح الجيش عبور المشاة الفلسطينيين من حين الى آخر وبشكل عشوائيّ. لا يعلم سكان المنطقة متى يسمح لهم بالعبور ومتى لا يسمح. عندما يحظر العبور يُجبر السكان على سلوك طريق التفافيّة يبلغ طولها حوالي ثلاثة كيلومترات رغم أن بعضهم يسكن على بُعد نحو مئتي متر فقط من البوابة.

وأرفقت "بتسيلم" بالتقرير عدة شهادات من أهالي الأحياء المذكورة حول الممارسات السالفة للجيش الإسرائيلي.