صادق الكنيست في شهر نيسان الماضي على قانون، يعرف باسم "قانون كمينيتس"، يهدف إلى تشديد العقوبات على البناء غير المرخص. ورغم أن نص هذا القانون، الذي بادرت إليه صيغته النهائية وزارة العدل الإسرائيلية، لا يذكر أنه موجه ضد الأقلية العربية في إسرائيل، وأيضا في القدس المحتلة، التي فرضت عليها إسرائيل قوانينها، إلا أنه سينعكس حصريا على الأقلية العربية فقط.

 في أعقاب طرح مشروع قانون كمينيتس، أصدرت جمعيات عربية وعربية – يهودية في إسرائيل ورقة موقف من هذا القانون، كونه قانون تعسفي يرمي إلى التنكيل والتضييق على حياة المواطنين العرب، وأكدت على أن البناء غير المرخص لم يأت صدفة وإنما هو نتيجة السياسيات التي انتهجتها المؤسسة الإسرائيلية ضدهم.

فمنذ تأسيس إسرائيل، في العام 1948، لم يتم إقامة ولو بلدة عربية واحدة، كما أن مسطح نفوذ القرى والمدن العربية ليس فقط أنه لم يتم توسيعه وإنما تم تقليصه. وتقع مسطحات نفوذ البلدات والقرى العربية داخل "الخط الأخضر" 3% فقط، ولم تقبل أي طلب من بين خمسين طلبا تم تقديمها في العامين الأخيرين لتوسيع مسطحات نفوذ بلدات عربية. ونتيجة لذلك، فإن الاكتظاظ السكاني في البلدات العربية تضاعف 11 مرة من دون توفير رد لاحتياجات سكانها.

وتبين المعطيات الرسمية، أن المجتمع العربي في إسرائيل يحتاج إلى بناء 13,000 وحدة سكنية سنويا، بينما يتم بناء 7,000 وحدة سكنية سنويا فقط، ويعني ذلك أنه يوجد نقص بـ6,000 وحدة سكنية سنويا، وهذا يضاف إلى النقص المتراكم على مدار عشرات السنين الماضية والذي لم يتم قياس حجمه حتى الآن.

إلى جانب ذلك، فإن خطط البناء الحكومية لا تشمل البلدات العربية ولا تطرح حلول سكن فيها. وتظهر معطيات زودها مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، أن الأغلبية الساحقة (97%) من أوامر هدم البيوت الصادرة عن المحاكم الإسرائيلية، بين العامين 2012 – 2014، كانت بحق بيوت في البلدات العربية، غالبيتها الساحقة (90%) في منطقة النقب، حيث نسبة البيوت العربية التي تعرضت للهدم كانت 99%.

وأشارت المحاميّة ميسانة موراني، وهي محاميّة في قسم الأرض والتخطيط في مركز "عدالة"في مقالة تحليلية، إلى أن "69 عامًا مرّت ولا يزال هاجس السيطرة على الحيّز ’وحمايته’ من الوجود العربي بهدف تسخيره لمصلحة اليهود والدولة اليهوديّة حجر الأساس في السياسات الإسرائيلية. إنّ هذه السياسات ليست بالجديدة، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق التاريخي، وإن كانت التشريعات الجديدة كقانون ’كمينتس’ وقانون ’شرعنة المستوطنات’ وصور الهدم والاقتلاع والتشريد في السنة الأخيرة قد سلّطت الضوء على جانب التطبيق العنيف لسياسة الحكومة في كل من قلنسوة وأم الحيران والقدس وخان الأحمر".

ولفتت إلى أن "التجلي الأوضح والأعنف لهذه السياسات كان خلال النكبة، إذ استخدمت القوى الصهيونيّة، ومن بعدها دولة إسرائيل وجيشها، القوّة الفعليّة – قوّة الذراع وقوّة السلاح – من أجل طرد سكّان 600 بلدة عربيّة، إلى جانب السيطرة على الأراضي وهدم البلدات في مرحلةٍ متأخرة. ركّزت الدولة مَن بقي مِن الفلسطينيين في مناطق محدّدة – 139 بلدة بقيت واعتُرف بها، وكذلك منطقة السياج في النقب - ووضعتهم تحت الحكم العسكري لمدّة 20 عاما".

وأضافت موراني أنه "في المرحلة الثانية، وبعد أن قلّت المبرّرات للاستمرار في استخدام السلاح للسيطرة على الأراضي، بدأت الدولة تستخدم سلاحًا آخر، أكثر ’نظافة’ – القانون. وتحت غطاء العموميّة والحياد، واصلت إسرائيل سياسة سلب الأراضي وشرعنتها. وهدفت هذه القوانين إلى السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي العربيّة: سيطرت على أملاك اللاجئين، بما في ذلك المهجّرين في الداخل، من خلال سلطة الوصاية على أملاك الغائبين؛ تمت مصادرة 50% من أراضي الفلسطينيين ممن أصبحوا مواطنين في إسرائيل، واستُخدم جزء كبير منها "لأهداف عامّة" – الاستيطان اليهوديّ. لا يزال نهْجُ استخدام قوانين الأراضي والمصادرة من أجل السيطرة على الحيّز يُطبّق بشكلٍ واضحٍ في القدس والنقب".

وأوضحت موراني أنه "في مرحلة متأخرة، وبعد السيطرة الفعلية والقضائية على الأراضي، انتقلت الدولة إلى المرحلة الثالثة: مرحلة التقييدات التخطيطيّة على استخدام الأرض. حُددت مناطق نفوذ القرى العربيّة بشكلٍ دقيق يلاصق آخر بيت في البلدة، ولم توسع الأغلبية الساحقة لمناطق النفوذ بتاتا. وأحيطت البلدات بالمعسكرات ومناطق إطلاق النار والغابات والحدائق الوطنيّة والمحميّات الطبيعيّة والأوتوسترادات. بالإضافة إلى ذلك، صُنّفت معظم البلدات العربيّة في الخرائط الهيكليّة بأنها مناطق محدودة التطوير".

ورأت موراني أن قانون كمينيتس "يشكل أداة أخرى من أدوات السيطرة التخطيطية، ويكشف حقيقة أن الإجراء التخطيطي هو، عمليا، استعمال للقوّة والسيطرة. ففي حين أن القانون، بأهدافه المُعلنة، يسعى إلى تعزيز إجراءات فرض قوانين التخطيط والبناء وجعلها ناجعة – من خلال زيادة استخدام الأدوات الإدارية وتقليص إمكانية التدخل القضائي، وتشديد العقوبة على هذه المخالفات، بما في ذلك زيادة استخدام العقوبات الماليّة – فإن الحكومة تبادر، عمليًّا، من خلال هذا القانون، إلى توسيع عمليّات هدم البيوت في القرى والمدن العربيّة".

وشددت على أنه "رغم أن القانون يختبئ وراء حيادية وعمومية التطبيق، فإنه لا يعمل وسط فراغٍ بل في سياق واقع جيوسياسي. ومن الواضح أن تأثيره الأساسي يقع على المجتمع العربي. فبعد عقود مارست خلالها الدولة سياسات تمييزية – كالامتناع عن التخطيط في البلدات العربية أو التخطيط السيئ بأفضل الأحوال – خلقت الدولة أزمة سكنية خانقة جدا في البلدات العربية وجهّزت الأرضية للبناء غير المرخّص. ونكون هنا قد وصلنا إلى مرحلة ’تطبيق القانون’ واستخدام قوة السيطرة الفعلية".

ولفتت موراني إلى أن "القانون يتجاهل، كليا، الأسباب التي أدّت إلى ظاهرة البناء غير المرخّص؛ كما أنّه يتجاهل مسؤوليّة الدولة تجاه هذه الأزمة. علاوة على ذلك، يتجاهل القانون نتائج ’تشديد فرض القانون’ – مئات العائلات التي ستبقى دون مأوى ودون حل سكني ملائم. لذلك، من الواضح أنه لا يُمكن التعامل مع ظاهرة ’البناء غير المرخّص’ في البلدات العربيّة كأي مخالفة جنائية أخرى".

وخلصت موراني إلى أنه "يجب النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها جزءًا من أزمة المسكن الخطيرة في هذه البلدات، ونتاجا لسياسات حكومية تمييزية طويلة الأمد. كذلك، لا يمكن قراءة التشديدات في تطبيق القانون بمعزل عن السياق العام لتعامل الدولة مع المواطنين العرب في كل ما يتعلق بالأراضي. وقانون كمينيتس يعطي الدولة أدوات أنجع وأسرع في محاولة لتضييق مساحة الوجود العربي وتهويد الحيز وتصميمه لخدمة أهداف الدولة".