بالإمكان التقدير أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ينتابه القلق من الأنباء حول تصريحات مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وهذا القلق لدى نتنياهو ليس نابعا من أن مستشار ترامب للأمن القومي، هربرت ماكماستر، قال في إيجاز للصحافيين في واشنطن، يوم الجمعة الماضي، إن ترامب سيلتقي بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في بيت لحم أثناء زيارته إلى البلاد في 22 و23 أيار الجاري، وأنه سيتحدث خلال هذا اللقاء عن ضرورة أن يحظى الفلسطينيون بالاحترام وبحق تقرير المصير.

 

كذلك القلق ليس نابعا من تصريحات وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، أول من أمس الأحد، بأن ترامب يدرس ما إذا كان نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس سيعود بالفائدة على احتمال استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.


فقد ترددت أنباء، خلال الأسبوعين الأخيرين، تحدثت عن قلق نتنياهو من "حماسة" ترامب حيال تحريك العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين. والمشكلة التي يراها نتنياهو في هذه "الحماسة" من جانب الرئيس الأميركي الجديد نسبيا معقدة أكثر مما تبدو للوهلة الأولى، لأن المشكلة بالنسبة لنتنياهو تتعلق ببقائه في الحكم وكزعيم لأكبر حزب إسرائيلي، مثلما خرج من الانتخابات العامة الماضية، قبل سنتين.

من جهة، يريد نتنياهو أن يبقى في الحكم كزعيم لليمين، طالما هو على قيد الحياة وبإمكانه ممارسة مهامه. من الجهة الأخرى، فإنه يحصد رياح ما زرعه، طوال سنوات حكمه، من أفكار يمينية وعنصرية ودفع الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف. ومن أجل بقائه زعيما لليمين، استخدم نتنياهو المزايدات حتى على غلاة اليمين المتطرف الإسرائيلي، وتعهد خلال الانتخابات الماضية بأنه لن تقام دولة فلسطينية، إلى جانب إسرائيل، طالما يتولى رئاسة الحكومة.

وخلال الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية، انحاز نتنياهو إلى جانب ترامب ضد خصمه هيلاري كلينتون. وبعد فوز ترامب، لم يُخف نتنياهو، ومعه اليمين الإسرائيلي في ائتلافه الحكومي، فرحهم بنتيجة هذه الانتخابات، واعتبروا أنه خلال ولاية ترامب ستتمكن إسرائيل من تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بل جرى إعداد مشاريع قوانين تهدف إلى ضم أجزاء من الضفة، أو معظم مساحتها، إلى إسرائيل.


وزاد من نشوة اليمين الإسرائيلي هذه، أن ترامب نفسه لم يستبعد حل الدولة الواحدة بدل حل الدولتين، في تصريحاته أثناء استقباله نتنياهو في البيت الأبيض، في منتصف شباط الماضي، بعد أقل من شهر على تنصيبه رئيسا. لكن بعدما هدأ "غبار المعركة" الانتخابية الأميركية، واستقر ترامب، رجل الأعمال الناجح ولكن الجاهل في شؤون العالم، في كرسيه في المكتب البيضاوي، وبدأ يقرأ تقارير أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية، تغيرت الصور في مخيلته حول السياسة الخارجية التي ينبغي أن يمارسها، وبدأ شيئا فشيئا يدرك الواقع في العالم.

لكن "غبار المعركة" في إسرائيل لا يهدأ أبدا. بل إن دوامات الغبار هذه تبدأ بالدوران غداة صدور نتائج الانتخابات. فنتنياهو، على سبيل المثل، يرغب دائما بتعيين زعيم حزب شريك في ائتلاف في منصب وزير المالية من أجل تحقيق هدف واحد، وهو أن يقتله سياسيا خلال ولاية الحكومة ويدفنه في الانتخابات التالية. وهو لا يرحم حتى وزراء من حزبه إذا عبروا عن طموحهم بالوصول إلى كرسي رئاسة الحكومة، حتى لو اشترطوا ذلك بأنهم يريدون تحقيق طموحهم هذا بعد اعتزال نتنياهو الحياة السياسية.

سجال بين نتنياهو وبينيت

في هذا السياق، بالإمكان قراءة السجال الذي اندلع مساء يوم السبت الماضي بين نتنياهو ورئيس كتلة "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، والذي بادر إليه الأخير. فكلاهما، نتنياهو وبينيت، يدركان أن ترامب لن يتخلى عن دعم إسرائيل، وسيمضي على خطى أسلافه الرؤساء الأميركيين. لكن بينيت يضع تحديا سياسيا، من أجل كسب أصوات اليمين، أمام نتنياهو ويسعى هو الآخر إلى المزايدة على نتنياهو. والسجال والتلاسن بين نتنياهو وبينيت له سبب واحد هو أن كليهما يتنافسان على مجموعة ناخبين كبيرة واحدة. ولذلك فإنه غالبا ما ينجر نتنياهو خلف بينيت.

وحدث أمر كهذا أول من أمس، بعدما صرح تيلرسون أن ترامب يدرس الفائدة التي سيحققها نقل السفارة الأميركية إلى القدس. فقد طالب بينيت نتنياهو بتغريدات على "تويتر" بأن "يوضح أننا نتوقع من الإدارة الأميركية أن تنقل السفارة إلى القدس وأن تعترف بالقدس الموحدة تحت سيادة إسرائيل". واعتبر بينيت أن "نقل السفارة الأميركية إلى عاصمة إسرائيل يعزز إسرائيل، ويعزز احتمالات السلام الحقيقي، لأن أي اتفاق يستند على تقسيم القدس سيكون مصيره الفشل". يشار إلى أن بينيت يصرح صباح مساء أنه يعارض أي اتفاق يمكن أن يتوصل إليه الإسرائيليون والفلسطينيون ويعارض قيام دولة فلسطينية. وأضاف بينيت أنه "مثلما تتواجد سفارات دول العالم في العاصمة الأميركية واشنطن، فإنها يجب أن تكون في القدس، عاصمتنا منذ 3000 سنة. وهذه عاصمتنا الأبدية ولا يوجد غيرها".

وفي مساء اليوم نفسه، أصدر نتنياهو بيانا قال فيه إن "موقف إسرائيل قيل مرات كثيرة للإدارة الأميركية والعالم. وليس فقط أن نقل السفارة الأميركية إلى القدس لن يمس بعملية السلام، وإنما العكس. خطوة كهذه ستدفع عملية السلام من خلال تصحيح ظلم تاريخي وبواسطة تبديد الوهم الفلسطيني أن القدس ليست عاصمة إسرائيل". وتأتي أقوال نتنياهو هذه في وقت تتردد فيه أنباء عن احتمال عقد لقاء ثلاثي، سيسمى "قمة"، يجمع نتنياهو وعباس تحت رعاية ترامب، خلال زيارته إلى البلاد الأسبوع المقبل.

واعتبر بينيت في تصريحات يوم السبت الماضي، في أعقاب أقوال ماكماستر أنه "ليس بالإمكان الاستمرار في سياسة الملجأ. وعلى إسرائيل المبادرة إلى طرح رؤيتها، وإلا، كما يبدو مجددا، فإن مصيرها سيحدده آخرون". وطالب بينيت نتنياهو بإلغاء خطاب بار إيلان، الذي ألقاه في العام 2009 وتحدث فيه عن حل الدولتين. وقال إن "خطاب بار إيلان كان في فترة الرئيس أوباما. وهذا الخطاب والموافقة على إقامة فلسطين جلبا علينا المقاطعة والإرهاب وتهديدا ديموغرافيا خطيرا، والآن هو الوقت المناسب للإعلان عن إلغائه".

وأضاف بينيت أن "ثمة طريقين أمامنا؛ استمرار سياسة بار إيلان التي تؤيد قيام دولة فلسطين ثانية، إضافة إلى تلك التي في غزة. وهذه معادلة مسيانية فاشلة أدت حتى الآن إلى سفك دماء، وتدهور سياسي وستقود إلى كارثة ديموغرافية. وبدلا من ذلك، بإمكان دولة إسرائيل طرح رؤيتها لمستقبل المنطقة، وتشمل تطويرا اقتصاديا إقليميا يستند إلى مبادرات، ومنع (قيام) دولة فلسطينية ثانية إضافة إلى تلك التي في غزة، وفرض السيادة على المناطق الإسرائيلية في يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية المحتلة)، واستقرار قطاع غزة، وتعزيز دولة إسرائيل كمرساة أمنية ومخابراتية واقتصادية في المنطقة".

من جانبه، رد حزب الليكود الحاكم الذي يتزعمه نتنياهو، على أقوال بينيت بأنها "مثال لجلد الذات المهووس وهذه المرة من جانب اليمين. ومقاطعة إسرائيل نابعة من مجرد الاعتراض على دولة يهودية وليس بسبب أمر آخر. ورئيس الحكومة نتنياهو هو الذي يحارب من أجل قبول الدولة اليهودية في العالم مثلما نسمع من الرئيس ترامب ومثلما يقود رئيس الحكومة نتنياهو قانون القومية".

وأضاف بيان الليكود أن "من يرسل تلاميذ يهود للسجود في المساجد (في الحرم القدسي الشريف)، ويعين امرأة يسارية متطرفة مسؤولة عن تدريس المدنيات ولا يفعل شيئا بخصوص التحريض في مدارس شرقي القدس، لا ينبغي أن يعطينا المواعظ. ومن ليس قادرا على الوقوف حتى أمام ضغوط اليسار في وزارة التربية والتعليم الذي يتولاها، عليه ألا يعظ رئيس الحكومة نتنياهو، الذي يقف بصورة صامدة وحازمة أمام كافة الضغوط الدولية، أكثر من أي رئيس حكومة آخر في العقود الأخيرة. وسياسة جلد الذات من جانب اليمين لم تحقق أبدا أي شيء عدا إسقاط حكم اليمين وصعود حكم اليسار".

هل ترامب مختلف عن أوباما؟

بحسب المحلل السياسي في صحيفة "معاريف"، بن كسبيت، فإن "نتنياهو رأى بترامب المسيح المنتظر، وليس أقل من ذلك" وأنه جاء "بعد ثماني سنوات قضاها مع باراك حسين أوباما المكروه"، وأن ترامب سيساعد نتنياهو على "وضع حد، مرة واحدة وإلى الأبد، لثرثرة السلام... لكن اتضح أن نتنياهو حصل على الرجل الأشقر غير الصحيح".

وأضاف كسبيت، في مقاله الأسبوعي يوم الجمعة الماضي، أنه بدلا من أن يرافق ترامب في زيارته إلى إسرائيل الثري الأميركي – اليهودي شيلدون أدلسون، الذي موّل حملات نتنياهو الانتخابية وأسس صحيفة "يسرائيل هيوم" ويدعم صحفا ومواقع إخبارية إسرائيلية لخدمة نتنياهو، فإنه "اتضح أن الملياردير اليهودي الأكثر قربا للرئيس هو رونالد لاودر، الذي "يرى بتحقيق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين مشروع حياته".

وكتب كسبيت أن لاودر، وهو رئيس "المؤتمر اليهودي العالمي"، "أعد" الرئيس الفلسطيني تمهيدا للقائه مع ترامب، الذي عُقد في البيت الأبيض في الثالث من أيار الجاري، ولذلك فإن غضبا على لاودر يسود مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بعد لقاء عباس مع لاودر في بيت الأخير، قبيل لقاء عباس مع ترامب، علما أن رؤساء حكومات إسرائيليين، بينهم نتنياهو، استخدموا لاودر كمبعوث إلى زعماء عرب.

وتابع كسبيت أن لاودر يعكف على إعداد "خطة سلام إسرائيلي – فلسطيني" منذ سنين عدة، وأنه التقى في هذا السياق مع زعماء عرب، وبات قريبا من التوصل إلى صيغة لهذه الخطة، تستند إلى "مبادرة السلام العربية". ونقل كسبيت عن مصادر أميركية قولها إن لاودر يتعرض لحملة تحريض من جهات يهودية متطرفة، تصفه بأنه "طابور خامس". ونسب المحلل لأكثر من مصدر في نيويورك، قولها إن مكتب لاودر طلب وجبات طعام من مطعم راق أثناء لقائه مع عباس، "لكن يدا مجهولة ألغت هذا الطلب من دون علم لاودر".

ونسب كسبيت إلى مصادر أميركية ليست من داخل إدارة ترامب، قولها إن أشخاصا من جانب نتنياهو حاولوا "إحباط اللقاء بين عباس وترامب بكل قوة، لكنهم فشلوا". وأضافت المصادر نفسها أن "مستشاري عباس أعدوا واجباتهم البيتية بصورة دقيقة، ودرسوا ترامب و’حرثوا’ عددا من المقربين منه من أجل تزويد عباس بكافة النصائح الصحيحة". واعتبر كسبيت أن "المعركة على قلب ترامب (بين عباس ونتنياهو) أخذت تسخن وهي ليست معركة بسيطة كما تبدو للوهلة الأولى".

من جانبه، كتب المراسل والمحلل السياسي في صحيفة "هآرتسباراك رافيد، أول من أمس، أن أداء نتنياهو مقابل ترامب مطابق تماما للجمود السياسي في أدائه في الأشهر الأولى لولاية أوباما. "ومثلما حدث مع الرئيس السابق، وصل نتنياهو إلى لقاء الرئيس الجديد بأيد فارغة. من دون خطة سياسية جدية، باستثناء كلمات غير ملزمة حول سلام اقتصادي ومبادرة إقليمية. ومثلما حدث مع أوباما، هكذا يحدث مع ترامب، جمود نتنياهو جلبه مرة أخرى إلى وضع فُرض عليه فيه كبح البناء في المستوطنات والدخول إلى عملية سياسية بلورها من أجله الأميركيون والعرب والفلسطينيون... وبوتيرة كهذه يمكن التوقع أن نتنياهو سيزيل قريبا الغبار مجددا عن خطاب بار إيلان الذي عبر فيه عن تأييده لحل الدولتين للشعبين".

لكن رافيد حذّر من أن "ترامب نفسه الذي أعلن في حملته الانتخابية أنه سينقل السفارة الأميركية إلى القدس وتراجع، وأعلن عن تأييده للبناء بحرية في المستوطنات وتراجع، يمكن أن يتراجع مرة أخرى. ولا أحد بإمكانه التنبؤ بكيف سيتصرّف عندما يصطدم في المرة الأولى بالرفض المألوف من جانب عباس ونتنياهو، وفيما إذا سيقرر التخلي عن الموضوع وينتقل للانشغال بأمور أخرى".