ينص التعديل الذي أدخله الكنيست الإسرائيلي على "قانون منع التسلل"، وأصبح ساري المفعول في الأول من أيار الجاري، على خصم 20% من رواتب اللاجئين طالبي العمل من السودان وأريتريا المقيمين في إسرائيل، على أن يتم إيداع هذه المبالغ في حساب ائتمان في أحد البنوك اسرائيلية لا يستطيع العامل سحبها والاستفادة منها إلا لدى مغادرته إسرائيل!! ومعنى هذا، أن خُمس الراتب الشهري الذي يتقاضاه اللاجئ العامل من هؤلاء ـ وهي رواتب متدينة جدا أصلا ـ يُخصم ليودع في حساب ائتمان دون أن تكون لديه أية إمكانية لاستخدام أمواله الخاصة هذه والاستفادة منها!! وعلاوة على هذا، تُخصم من رواتب هؤلاء العمال ضرائب بنسب مرتفعة جدا، نسبيا، تزيد عن مستوى الضرائب التي يدفعها الإسرائيليون عادة، ما يعني أن الراتب الشهري الذي يحصل عليه العامل اللاجئ من السودان أو أريتريا الآن، بعد دخول التعديل القانوني حيز التنفيذ، يقلّ بنحو 35% عما كان يحصل عليه حتى الآن!

 

وفوق هذا وذاك، يجيز القانون أيضا فرض غرامات مالية على كل واحد من هؤلاء يدفعها، مباشرة، من تلك الأموال التي خصمت منه عنوة، وذلك إذا ما صدرت ضده أوامر رسمية بمغادرة إسرائيل لكنه تأخر عن مغادرتها في الموعد المحدد وخلال المهلة الزمنية المحددة.

ولا تكتفي دولة إسرائيل، بحكومتها وبرلمانها (الكنيست) وأذرعها السلطوية المختلفة، بكل ما تفرضه من تضييقات ومضايقات على هؤلاء اللاجئين الذين يعيشون في ظروف حياتية مزرية، إذ يتعرضون للاعتداءات وأعمال التنكيل اليومية تقريبا، من مجموعات العنصريين الذين ينتظمون لشن "غزوات ليلية" على الأحياء والعمارات التي يسكن فيها هؤلاء اللاجئون فلا يتورعون عن الاعتداء الجسدي عليهم وكيل الشتائم والإهانات لهم.

وترى نوعا كاوفمان، مركّزة دائرة اللاجئين وطالبي اللجوء في جمعية "عنوان العامل" ("كاف لعوفيد" بالعبرية)، أن المنظمات الناشطة في أوساط اللاجئين الأفارقة تتوقع أن يتعدى الضرر المترتب عن هذه الإجراءات وإسقاطاتها ما سيصيب هؤلاء اللاجئين وعائلاتهم مباشرة، من حيث مفاقمة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والدفع بهم إلى جحيم الفقر والعوز في بلاد ليست بلادهم. وتؤكد كوفمان أن الضرر سيصيب، أيضا، المجموعات السكانية المحيطة باللاجئين الأفارقة، خاصة وأن تلك المجموعات تصارع منذ سنوات على موارد عامة مقلصة في تلك المناطق التي تتعرض للإهمال الرسمي طوال سنوات عديدة جدا، من جانب الحكومات المتعاقبة وأذرعها المختلفة.

وإلى جانب ذلك، سيعود التعديل القانوني المذكور بالضرر على سوق العمل الإسرائيلي برمّته وعلى العامل الإسرائيلي، إذ أن كثيرين من العمال والمشغلين الذين سيحاولون التهرب من دفع هذه المبالغ التي نص عليها التعديل المذكور، نظرا لكونها مبالغ كبيرة نسبيا لا تبقي من الرواتب ما يكفي لسد الاحتياجات المعيشية الأساسية، سيضعون أنفسهم ـ في مثل هذه الحالة ـ في خانة مخالفي القانون، الأمر الذين قد يعرضهم إلى محاكمات وإلى عقوبات شديدة، مالية وغيرها. ومن جانب آخر، يشكل تهرب العمال والمشغلين من دفع هذه الأموال مساً بمداخيل الدولة، ما يؤثر سلبا على الاقتصاد بصورة عامة وعلى وتائر نموّه.

218 ألف "غير إسرائيلي" في إسرائيل
النقطة الأهمّ في السياق هنا هي التي تسجلها كاوفمان بما يلي: "أعضاء الحكومة والكنيست الذين عملوا كل ما في وسعهم من أجل سن هذا القانون تركزوا في من يسمّونهم ’المتسللون’، أي المجرمين الذين يجلسون بيننا ونحن نحاول تقيؤهم... لكنّ الفحص المتأني والدقيق لصورة الوضع بين اللاجئين الأفارقة المقيمين في إسرائيل تبيّن أن ثمة تقسيمة واضحة تميز بين من يتم تشريع قوانين جديدة وقاسية جدا ضدهم ليل نهار، وبين من يمرون من تحت أجهزة الرادار الحكومية، الإعلامية والشعبية. ومن هنا، فلا مجال لإنكار حقيقة أن القوانين الأخيرة، كلها تقريبا وبصورة جارفة، أعدّت ضد السود، المهاجرين من أصول أفريقية".

تشير المعطيات إلى أن نحو 218 ألف "غير إسرائيلي" يقيمون ويعيشون في إسرائيل اليوم، سواء بتأشيرات مؤقتة يتم تجديدها أو بدون تأشيرات إطلاقا. من بين هؤلاء، هنالك 84 ألف شخص موجودون في إسرائيل بمصادقة الحكومة الإسرائيلية وبطلب منها ويطلق عليهم اسم "مهاجرو العمل" أو "العمال الأجانب". وإلى جانب هؤلاء، هنالك نحو 94 ألف شخص موجودون في إسرائيل بدون أية تأشيرة وتطلق عليهم السلطات الرسمية اسم "المقيمون غير الشرعيين"، تقوم "دائرة السكان والهجرة" برصدهم وتوثيق تفاصيلهم حسب الدولة التي جاءوا منها (حسب ترتيب تنازلي). وتجد بين هؤلاء مواطنين من الدول التالية: الاتحاد السوفييتي السابق، رومانيا، المكسيك، الفلبين، الهند، تركيا، مصر، كولومبيا، فنزويلا، هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا السابقة، البيرو وغيرها.

ابتداء من السنة الماضية، أضيف إلى هؤلاء المهاجرين في إسرائيل نحو 14 ألفا من طالبي اللجوء من جمهوريتي أوكرانيا وجورجيا، دخلوا إلى إسرائيل كسياح في أعقاب إلغاء الحاجة إلى الحصول على تأشيرات دخول مسبقة إلى إسرائيل. وفور وصولهم إليها، تقدموا بطلبات للجوء، تعكف السلطات الرسمية الآن على فحصها والنظر فيها.

لكن هؤلاء جميعهم لا ينطبق عليهم تعريف "المتسللون"، كما ورد في نص القانون. وهو ما يعني، بطبيعة الحال، أن القانون الجديد، الذي شرعه الكنيست كتعديل لـ"قانون منع التسلل"، يسري فقط على 40 ألف شخص طالبي اللجوء في إسرائيل، غالبيتهم العظمى من السودان وأريتريا، إضافة إلى بضعة آلاف قليلة من دول أفريقية أخرى جاءوا إلى إسرائيل عبر سيناء ويحملون تأشيرات، مما يحول دون طردهم من البلاد.

حرب واسعة ضد جزء من الأجانب المقيمين في إسرائيل
تؤكد نوعا كاوفمان، في تقرير خاص حول الموضوع نشرته على موقع "محادثة محلية" (سيحاه ميكوميت) الإسرائيلي، يوم 9 الجاري، أن "دولة إسرائيل تشن حربها الواسعة والأكثر شعبية ضد جزء صغير نسبيا، فقط، من السكان الأجانب المقيمين في إسرائيل، وهؤلاء بالذات هم الذين يقيمون فيها بصورة قانونية، يحملون تأشيرات يتم تجديدها كل شهرين ـ ثلاثة أشهر (طبقا لمزاج موظفي دائرة السكان والهجرة، المسؤولين عن تجديد التأشيرات)، لكن جريمتهم الوحيدة تكمن في طريقة دخولهم إلى إسرائيل ـ وهي الطريقة التي يلجأ إليها السواد الأعظم من طالبي اللجوء في شتى أنحاء العالم حين يدخلون إلى دول يفترض بها أن توفر لهم الحماية والرعاية ـ عبور الحدود مشياً على الأقدام حتى الوصول إلى المكان الأكثر أمنا وأمانا، حيث يستطيعون الحصول على الحماية اللازمة.

المبادرون إلى سن القانون المذكور والمروجون له ادعوا بأن الهدف منه هو ممارسة الضغط الذي من شأنه حث طالبي اللجوء على الانكشاف "الطوعي". وفي هذا بالذات يكمن خبث هؤلاء، "لأن إسرائيل متخصصة في الطرد"، كما تنوه كاوفمان. فطبقا لمعطيات دائرة السكان والهجرة، يتم طرد 8,8 أشخاص من إسرائيل يوميا، بالمعدل. وفي العام 2016، مثلا، تم طرد 3% من مجموع المهاجرين الذين كانوا يقيمون في إسرائيل دون تأشيرات. لكن إسرائيل تمتنع عن طرد طالبي اللجوء السودانيين والإريتريين بالقوة، نظرا لأنهم ينتمون إلى مجموعات سكانية محمية وفق القانون الدولي ومن شأن طرهم بالقوة (وهو ما حصل في السابق أيضا) تعريض حياتهم، حريتهم وأجسادهم لأخطار حقيقية وجدية. ولأن إسرائيل لا تريد ـ لهذا السبب ـ أن تكون موثقة على طرد هؤلاء بالقوة، فهي تفضّل اعتماد إجراءات ترمي إلى تنغيص حياتهم وتيئيسهم حتى يصلوا إلى وضع لا يطاق فيقررون مغادرة إسرائيل "طوعيا"!