إيفا كوبلينكو، البالغة من العمر 82 عاما، تنتظر منذ 16 عاماً، الحصول على شقة تستحقها، طبقا للقانون، في "المساكن الشعبية" الحكومية. هي واحدة من بين 96 ألفاً من المسنين اليهود الناجين من الهولوكوست الذين "ينتظرون بالدور" للحصول على مساكن في "السكن الشعبي" ـ 16 ألفاً منهم في قائمة مستحقين لدى "وزارة الهجرة والاستيعاب" و80 ألفا آخرين في قائمة المستحقين لدى "وزارة الإسكان"!

 

هذا جانب واحد فقط من جوانب الضائقة الاقتصادية ـ الاجتماعية المعيشية المزرية التي يعيشها عشرات آلاف اليهود المواطنين في إسرائيل من الناجيات والناجين من الهولوكوست، جراء سياسة التجاهل والإهمال الحكومية المتواصلة بحقهم في مختلف المجالات الحياتية، والتي انعكست في تقرير خاص أصدره مراقب الدولة، القاضي (المتقاعد) يوسف شابيرا الأسبوع الماضي، بالتزامن مع إحياء إسرائيل الرسمية والشعبية ذكرى الهولوكوست وضحاياه!

ونوّه تقرير مراقب الدولة بأن هؤلاء الناجين الذين تشملهم قائمة مستحقي السكن الشعبي في "وزارة الهجرة والاستيعاب" (16 ألفاً) يشكلون أكثر من 90% من مجمل المستحقين في هذه القائمة.

تقول كوبلينكو، التي تعيش مع زوجها المقعد على كرسي عجلات، في حديث لموقع "والا" الإسرائيلي نُشر أمس الإثنين (حيث أحيت إسرائيل ذكرى الهولوكوست!): "منذ 16 عاماً ننتظر دورنا للحصول على شقة في المساكن الشعبية الحكومية... نعيش في شقة مستأجرة، هي الخامسة التي ننتقل إليها خلال السنوات الأخيرة... النقل في مثل حالتنا وسننا هو أمر في غاية الصعوبة والقسوة، لكننا نضطر إلى ذلك في كل مرة يطلب فيها صاحب الشقة إخلاءها أو زيادة أجرتها... إنها معاناة قاسية جدا، جسديا ونفسياً".

وتضيف: "نحن نعيش من مخصصات التأمين القومي، وبعد دفع أجرة الشقة السكنية ورسومها المختلفة لا يتبقى بين يدينا سوى 500 شيكل، هو المبلغ الذي نعتاش منه شهراً كاملاً... لا أدري كيف يمكن مواصلة العيش على هذا النحو"!

وتطرقت كوبلينكو إلى الوعود الحكومية والرسمية المتكررة بشأن "الاهتمام بالناجين من الهولوكوست ورعايتهم"، فتقول: "أسمع كل الوقت كلاما كثيرا وكبيرا عن مدى حرص الدولة واهتمامها بالناجين من الهولوكوست وكم هي مدينة لهم، لكن لا شيء من هذا الكلام يُطبَّق فعلياً، على الإطلاق. أشعر بأنني لاجئة في دولة إسرائيل"!

60 ألف ناجية وناجٍ "تحت خط الفقر"!

تشير معطيات "مفوضية الناجين من الهولوكوست" التابعة لوزارة المالية في الحكومة الإسرائيلية إلى أنه يعيش في دولة إسرائيل اليوم (في العام 2017) 213468 شخصا من الناجين من الهولوكوست، من بينهم 155770 ناجية وناجياً مباشرا من براثن النازية في أوروبا و 57698 شخصا "تعرضوا للتنكيل والاعتداءات اللاسامية في كل من المغرب، العراق والجزائر" والذين تم الاعتراف بهم، هذه السنة، "ناجين من الهولوكوست". وأفادت المعطيات ذاتها بأن 43185 شخصا من هؤلاء الناجين ماتوا خلال السنوات الأخيرة، من بينهم 16096 شخصا ماتوا في العام الماضي، 2016، وحده.

وبينت المعطيات، أيضا، أن 60 ألفاً من بين الناجيات والناجين الذين لا يزالون على قيد الحياة في إسرائيل يعيشون "تحت خط الفقر" ويحتاجون إلى مخصصات "إكمال الدخل" التي تدفعها لهم مؤسسة "التأمين القومي".

وفي هذا تقول ابنة أحد الناجين من الهولوكوست (ويبلغ من العمر 93 عاما) إن "إحدى المشاكل المركزية التي تعيق حصول الناجين على حقوقهم هي عدم توفر عنوان ملائم يشرح لهم حقوقهم بلغة واضحة"! وتضيف، في حديث لموقع صحيفة "معاريف" نشر أمس: "ليس هناك أي جسم أو شخص مسؤول يمكنه إعطاء جواب على سؤال واحد بسيط هو: أين هي أموال الناجين من الهولوكوست"؟


وتوضح أنها "حينما تعمقت في الموضوع"، وجدت أن والدها "يستحق الحصول على 960 يورو من ألمانيا،، كل ثلاثة أشهر. لكن الدولة، التي تدفع له مخصصات شهرية بقيمة 4 آلاف شيكل، تخصم من هذا المبلغ 300 يورو في كل شهر"! وتساءلت: "ما دخل الدولة بالأموال التي تدفعها ألمانيا؟؟ لماذا تخصمها الدولة لنفسها؟؟... إنها قمة الوقاحة"!

وأورد موقع "معريف" روايات ناجين آخرين وأبنائهم تؤكد، هي أيضا، أن الدولة "تسرق" المخصصات المالية التي تدفعها الحكومة الألمانية للناجين "بذرائع مختلفة"! وفقط بعد مُطالبات عديدة وإجراءات بيروقراطية كثيرة ومُنهكة "يمكن لمَن يثابر عليها تحصيل حقه والحصول على ما يستحقه"!!


85 بالمئة من الناجين يجهلون حقوقهم!

في التقرير الخاص الذي أصدره الأسبوع الماضي حول أوضاع الناجين من الهولوكوست في إسرائيل، والذي اعتبره المراقبون "تقريرا خطيرا جدا"، وجّه مراقب الدولة انتقادات حادة جدا لعدد من الوزارات الحكومية مؤكدا أن "الدولة لا تقوم بواجباتها تجاه الناجين". وأشار، على سبيل المثال، إلى أن "وزارة الرفاه الاجتماعي استغلت نحو 3ر4 مليون شيكل فقط من ميزانية حكومية بلغت 40 مليون شيكل رُصدت لمعالجة قضايا الناجين من الهولوكوست في العام الماضي 2016، بينما بقي من هذه الميزانية في العامين 2014 و 2015 أكثر من 60 مليون شيكل لم يتم استغلالها وصرفها"!

ومن جراء عدم استغلال هذه الميزانيات، كما يؤكد التقرير، "حُرم الناجون من خدمات عديدة ومختلفة كان من شأنها تحسين ظروف حياتهم، بما في ذلك في مجالات الوجبات الساخنة، العلاجات الصحية، النشاطات الاجتماعية والترفيهية وغيرها، والتي كان يمكنها التخفيف من وحدة هؤلاء المسنين وضائقتهم"!

وتطرق تقرير مراقب الدولة إلى جهل الناجين العميق بحقوقهم ومستحقاتهم، إذ أن "85% منهم يجهلون حقوقهم، القانونية"، خاصة وأن عددا كبير من بينهم "لا يجيدون اللغة العبرية ولا يجدون سبيلا إلى معرفة حقوقهم". فحوالي رُبع الناجين الذين يعيشون في إسرائيل اليوم هم مسنّون هاجروا إلى إسرائيل من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق خلال تسعينيات القرن الماضي "دون أية قاعدة اقتصادية".

تقارير سابقة لم تغير شيئاً

تقرير مراقب الدولة الحالي، المذكور أعلاه، ليس الأول الذي يصدر في إسرائيل بشأن أوضاع الناجين من الهولوكوست وظروف معيشتهم وحرمانهم من حقوقهم ومستحقاتهم.

ففي آب 2007، أصدر مراقب الدولة السابق، القاضي (المتقاعد) ميخائيل لندنشتراوس، تقريرا خاصا حول هذا الموضوع أظهر فيه قصورات وتقصيرات حكومية كثيرة وحادة في معالجة شؤون الناجين ورعاية مصالحهم.

وفي أعقاب هذا التقرير، أقيمت، في كانون الثاني 2008، لجنة تحقيق رسمية للبحث في هذه المسألة بجميع تفاصيلها ومن مختلف جوانبها، ترأستها قاضية المحكمة العليا السابقة داليا دورنر (وعُرفت اللجنة باسم "لجنة دورنر"). وبعد ستة أشهر فقط، قدمت هذه اللجنة تقريرها التي تضمن توصيات مختلفة لمعالجة أوضاع الناجين من الهولوكوست في إسرائيل.

لكن تلك التقارير والتوصيات بقيت حبرا على ورق ولم تُجد نفعا في تحسين ظروف حياة هؤلاء المسنين، وهو ما دفع رئيسة "منظمة مركز الناجين من الهولوكوست"، كوليت أفيطال (دبلوماسية وعضوة كنيست سابقة)، إلى التأكيد الآن على أن "أوضاع الناجين تحظى بتعاطف كلامي وإعلامي طوال يومين ـ ثلاثة أيام في السنة يعود الجميع بعدها إلى نسيان كل الكلام ومواصلة الطريق الذي يسلكونه اليوم"!