ادعت إسرائيل منذ نشوب الحرب الأهلية في سورية أنها لا تتدخل ولن تتدخل فيها، لكنها شنّت العديد من الغارات على أهداف داخل سورية، من دون تحمل مسؤولية علنية عنها، علما أنها تركت بصمتها فيها، كما أن تقارير عربية وأجنبية أكدت أن الطيران الحربي أو صواريخ إسرائيلية هي التي نفذت هذه الغارات. لكن الغارة الإسرائيلية التي قصفت هدفا في عمق الأراضي السورية، في 17 آذار الفائت، كانت استثنائية بسبب إطلاق إسرائيل صاروخا من منظومة "حيتس" لاعتراض الصواريخ البالستية، بعد قيام سورية بإطلاق صاروخ أرض – جو من طراز SA-5 في محاولة لاعتراض الطائرات الإسرائيلية التي كانت عائدة من غارتها. وتمكن صاروخ "حيتس" من اعتراض الصاروخ السوري، الذي سقط في الأغوار داخل الأراضي الأردنية. واضطرت إسرائيل إلى تبني مسؤولية هذه الغارة.

إلا أن هذه الغارة الإسرائيلية ورد الفعل السوري، دفعا خبراء عسكريين ومحللين إسرائيليين إلى وضع علامات استفهام حول مدى تأثير الغارات التي تشنها إسرائيل ضد أهداف سورية، وما إذا بإمكانها منع تزايد قوة حزب الله، كونها تستهدف قوافل تنقل أسلحة من سورية إلى لبنان. كذلك تساءل محللون حول رد الفعل السوري، بإطلاق صاروخ باتجاه الطائرات الإسرائيلية. ويشار إلى أن أنباء تحدثت عن غارة إسرائيلية أخرى في سورية، ردا على رد الفعل السوري وأسفرت عن مقتل أحد عناصر الميليشيات الموالية لإيران.

وكتب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، ورئيس "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، عاموس يدلين، أنه "في المستوى التكتيكي، فإن سلة ردود الفعل الإسرائيلية تألفت من مهاجمة مصادر إطلاق النار على إسرائيل، مهاجمة الجيش السوري الذي لم يمنع إطلاق نار كهذا وضرب تنظيمات إرهابية تعمل بتوجيه من حزب الله أو إيران وبتمويلهما في هضبة الجولان السورية (أي القسم غير المحتل من الجولان). وفي المستوى الإستراتيجي، قاد الجيش الإسرائيلي، وفقا لمصادر أجنبية، حربا ضد تعاظم قوة حزب الله بأسلحة متطورة، مثل بطاريات صواريخ أرض – جو متطورة من صنع روسي وصواريخ باليستية دقيقة من صنع إيران وصواريخ أرض – بحر متطورة وغيرها". ("يديعوت أحرونوت" – 22.3.2017)

وأضاف يدلين أن هذه الغارات الإسرائيلية جرى تنفيذها في سياق "محاولة إحداث توازن بين الأفضليات الكامنة في ضرب تعاظم قوة حزب الله وبين مخاطر التصعيد المقرونة بها. وحافظت إسرائيل على ضبابيةـ انطلاقا من تقديرات أنها تقلل من مخاطر رد حزب الله أو نظام الأسد. والأمر الذي ساعد في ابتلاع الأنشطة الإسرائيلية في الضجة الشاملة للحرب الأهلية في سورية هي الهجمات غير المتوقفة لأسلحة الجو الروسية والأميركية والتركية. وحقيقة أن إسرائيل اعترفت بالغارة (في 17 آذار الفائت) لا يعبر عن سياسة جديدة، وإنما نبع ذلك من إطلاق الـ’حيتس’ الذي لا يمكن إخفاءه".

ورأى يدلين أن "التوجهات الحاصلة في سورية في الفترة الحالية تستوجب تعديل السياسة الإسرائيلية، وفيما المتغير الأهم هو الوجود العسكري الروسي في سورية ومركزيته، إلى جانب الدعم الإيراني، الذي أدى إلى انتعاش النظام السوري وإعادة بناء ثقته بالنفس".

وأردف أنه "في هذا السياق على إسرائيل أن تستوضح غاياتها الإستراتيجية مرة أخرى والتدقيق بصورة دائمة ومعمقة في فائدة خطواتها مقابل المخاطر بالتصعيد غير المرغوب بها". وهذا كلام جديد ونادرا ما يصدر عن خبير عسكري إسرائيلي رفيع المستوى كيدلين.

وبعد أن أشار يدلين إلى أن "العنصر الأساس هو ترسيخ وتعزيز الردع" ضد سورية ولبنان وحزب الله وإيران، كتب أنه "فيما يتعلق بمنع تعاظم قوة حزب الله، فإن المطلوب هو تقديرات جديدات حول ما إذا كانت الغارات تشوش عملية بناء القوة لهذه المنظمة بقدر يبرر مخاطر التصعيد. وإذا كان المس بتعاظم القوة ضئيلا، لربما مخاطر التصعيد ليست مبررة. وإذا كان كبيرا، يجب الاستمرار في مس تعاظم قوة حزب الله بسلاح نوعي".

من اتخذ قرار إطلاق الصاروخ؟

هذه ليست المرة الأولى التي يُطلق فيها صاروخ مضاد للطائرات باتجاه طائرات حربية إسرائيلية، فقد فعل النظام السوري ذلك في أيلول العام 2006. وأشار المحلل العسكري في موقع "يديعوت أحرونوت" الالكتروني، رون بن يشاي، إلى أن "رد الفعل السوري جاء عندما كانت الطائرات في الأجواء الإسرائيلية"، وأن الصاروخ الذي أطلقه الجيش السوري من صنع روسي وحصلت عليه سورية في الفترة الأخيرة. وأضاف أنه "على ضوء حقيقة أن هذا صاروخ كبير نسبيا، فإن بطارية ’حيتس’ هي التي اعترضته".

وبحسب بن يشاي فإن "إطلاق SA-5 هو تغيير في السياسة من جانب النظام السوري. والرئيس السوري بشار الأسد يشعر بالأمان بدعم من الوجود العسكري الروسي، والانتصار في حلب والسلاح الإستراتيجي المتطور الذي تم تزويده له. ويبدو أيضا أن رد الفعل مرتبط بأن الغارة استهدفت كنزا هاما بالنسبة له. والأسد يشعر أنه على ظهر الحصان، وهو يعرف أن إسرائيل لن تنفلت في ردها، بسبب وجود القوات الروسية".

واعتبر بن يشاي أن "إطلاق هذه الصاروخ ينذر بشرور ويدل على تصعيد في قابلية تفجر الأوضاع وتوترها. وعمليا، فإن إطلاق صاروخ بعد غارة داخل الأراضي السورية قد يقود إلى أن أي تصادم سيتطور إلى حرب".

بدوره وصف محلل الشؤون العربية في موقع "واللا" الالكتروني، أفي سخاروف، إطلاق الصاروخ السوري بأنه "رسالة"، وتساءل ما إذا الحديث يدور هنا عن "رسالة من قصر الرئيس السوري فقط، أم أنها شيء برائحة موسكوفية؟ وإذا كان الروس ضالعين بصورة أو بأخرى في إطلاق الصاروخ، فإن هذا الواقع مختلف تماما عما عهدناه حتى الآن. وحتى لو كانت هذه عملية سورية فقط، فإن الأسد يحاول أن يوضح أنه ليس في نيته ضبط النفس بعد الآن حيال قصف قوافل (أسلحة) بين سورية ولبنان".

من جانبه، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن "واقعة إطلاق الصاروخ تعبر على ما يبدو عن أن نظام الأسد يحاول تغيير قواعد اللعبة غير الرسمية. وهذا تطور خطير، برغم أن مؤشرات على هذا التوجه كانت معروفة في الأشهر الأخيرة. ولا يبدو أنها ستقود إلى مواجهة أوسع بين الجانبين في هذه المرحلة. فتوازن القوات العسكرية بين إسرائيل وسورية واضح وثمة شك في ما إذا كانت دمشق معنية في جر إسرائيل إلى حرب، من شأنها أن تدفن كل الإنجازات التي حققها النظام في الأشهر الأخيرة".

وأضاف هرئيل أن سورية تطلق بين الحين والآخر صواريخ مضادة للطائرات باتجاه طائرات حربية إسرائيلية أثناء الغارات، منذ أيلول الماضي، وأن الجديد هذه المرة هو أن الصاروخ السوري دخل إلى الأراضي الإسرائيلية. وخلص هرئيل إلى القول "ثمة سؤال مثير حول ما إذا رصد الطائرات الإسرائيلية تم بواسطة منظومة رادارات صديقتنا الكبرى الجديدة، روسيا، بعد أسبوع من عودة نتنياهو من موسكو. ويمكن التقدير أن أجهزة الأمن الإسرائيلية ستهتم بفحص ما إذا كان القرار السوري بالرد قد تم تنسيقه مع الشركاء والأوصياء على دمشق: روسيا، إيران، وحزب الله".