تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن الحرب الأهلية في سورية، التي دخلت في منتصف شهر آذار الفائت عامها السابع، قد شارفت على نهايتها، في أعقاب التحول الكبير في هذه الحرب لمصلحة النظام السوري. لكن في الواقع، هذه التحولات لا تصب في مصلحة النظام السوري وحده فقط، وربما لا تضمن بقاءه، وإنما تصب بالأساس في مصلحة حلفاء دمشق، روسيا وإيران وأيضا حزب الله، الذين لولا تدخلهم العسكري المباشر لما تمكن النظام من الصمود أمام هجمات قوات المعارضة السورية والتنظيمات الجهادية المتطرفة، مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) و"جبهة فتح الشام" (النصرة سابقا).

وفي الوضع الحالي، بينما تجري محادثات متعددة الأطراف، بمشاركة النظام السوري وقوى المعارضة السورية وروسيا وإيران وتركيا والأمم المتحدة، حول الانتقال السياسي في سورية، تعتبر إسرائيل أن عليها أن تؤثر في هذه المحادثات، الجارية في جنيف وأستانة وموسكو وأنقرة. وبعثت بعدة رسائل إلى معظم الجهات المشاركة هذه المحادثات وخصوصا روسيا.

التحول في الحرب السورية

بدأ التحول الكبير في الحرب الأهلية في سورية عندما قرر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، التدخل عسكريا في الحرب، في أيلول العام 2015، من أجل الحفاظ على بقاء نظام بشار الأسد. وإلى جانب قوات النظام والقوات الروسية، الجوية بالأساس، حاربت إيران وحزب الله وميليشيات عراقية شيعية ضد قوات المعارضة. ووصل القتال أوجه عندما سقطت مدينة حلب، معقل المعارضة، بأيدي النظام وحلفائه في كانون الأول الماضي.

وفي أعقاب ذلك، بادرت روسيا وتركيا إلى وقف إطلاق نار مع قوات المعارضة المركزية باستثناء التنظيمات الجهادية، في موازاة محاولة إطلاق مرحلة انتقالية، في محاولة لبلورة مستقبل سورية ومستقبل النظام السوري أيضا.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإنه خلال فترة وقف إطلاق النار والمحادثات في أستانة وجنيف، استمر التغيير في ميزان القوى الداخلي وتزايد تأثير القوى الخارجية المشاركة في الحرب، بحيث أن روسيا وإيران تساعدان قوات النظام في توسيع سيطرتها في عدة مناطق في البلاد، بينها شرق حلب وغوطة دمشق ومنطقة حمص. وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن حزب الله يعمل تحت رعاية إيران على تغييرات ديموغرافية، خصوصا في المناطق الحدودية بين سورية ولبنان، من أجل إنشاء بيئة ديموغرافية مريحة في فترة ما بعد الحرب.

في موازاة ذلك، اشتدت الهجمات ضد "داعش" في شرق سورية بهدف تحرير تلك المناطق من سيطرته. واشتدت هذه الهجمات في أعقاب بدء ولاية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في كانون الثاني الماضي. وتدفع قوات القيادة المركزية الأميركية القتال ضد "داعش" في معقله في الرقة. وقد عززت الولايات المتحدة قواتها في شمال وشرق سورية بزج المزيد من قوات مشاة البحرية (المارينز)، إضافة إلى إرسال قرابة 500 جندي من القوات الخاصة. وتشارك في هذه المعارك ضد "داعش" قوات سورية الديمقراطية وقوات حماية الشعب الكردية. وهاتان المجموعتان الأخيرتان تتلقيان الدعم والتدريب من الولايات المتحدة. وإلى جانب ذلك، تحاول قوات النظام الوصول إلى الرقة من الجهة الغربية.

روسيا وتوازن القوى في سورية

المعضلة التي تراها إسرائيل في سورية هي أن روسيا تحولت إلى اللاعب الأبرز في الساحة السورية وحتى أن تأثيرها ازداد في الشرق الأوسط، من جهة، وأن بدء ولاية ترامب تثير توقعات بحدوث تعاون روسي – أميركي، من الجهة الأخرى. يضاف إلى ذلك وجود مؤشرات، وفقا للتقديرات الإسرائيلية، حول وجود تغيرات في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لجهة السعي إلى لجم تأثير إيران في مقابل تحسين العلاقات مع الدول العربية، مصر والأردن والسعودية ودول الخليج، بعد تراجعها خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، خاصة في أعقاب المحادثات مع إيران وتوقيع الاتفاق النووي معها، الذي أثار حنق هذه الدول.

وتعتبر إسرائيل أنه على الرغم من الإنجازات التي حققتها روسيا في سورية وتحسين مكانتها في الشرق الأوسط، إلا أنها ستسعى إلى التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة وزيادة التنسيق معها بما يتعلق بالحفاظ على نظام الأسد في سورية.

لكن ورقة تقدير موقف صدرت عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، مؤخرا، قالت إن "سياسة إدارة ترامب تجاه روسيا ما زالت غير واضحة. إذ أن النوايا المعلنة للرئيس بالتقرب من موسكو يشوشها الكشف عن فضائح حول علاقات مستشاريه مع الروس حلال الحملة الانتخابية (للرئاسة الأميركية) وموقف الجهات المهنية في الإدارة، التي تدعو إلى ممارسة ضغوط واتباع سياسة حازمة تجاه روسيا. وحلبة الشرق الأوسط، وفي مركزها التسوية في سورية، تشكل عمليا الاختبار الأول لتعامل إدارة ترامب مع روسيا. فهذه الإدارة تركز بالأساس على هزم ’الدولة الإسلامية’ وتنظيمات المتمردين السلفيين – الجهاديين التي تدور في فلك تنظيم القاعدة بواسطة غارات جوية، ومنح روسيا زمام الأمور في قيادة عملية التسوية في سورية".

وأضافت الورقة أن "تركيا، التي تدعم مجموعات المتمردين المقربة من الإخوان المسلمين والجيش السوري الحر، احتلت مكانة عالية في المحادثات حول مستقبل سورية بعد أن سيطرت على مناطق في شمال سورية (من خلال عملية "درع الفرات" العسكرية). وأنقرة قلقة جدا من تزايد التأثير الكردي هناك وتعمل على دحر القوات الكردية إلى شرقي نهر الفرات. وفي هذا الإطار هي معنية بالمشاركة في المجهود العسكري للسيطرة على الرقة، من أجل منع الأكراد من تحقيق أي إنجاز، في الطريق نحو إقامة منطقة أمنية جنوبي الحدود التركية – السورية".

وتابعت الورقة أن "إيران تواصل تطلعها إلى الحفاظ على سورية كاملة تحت النظام العلوي. ولذلك فإنها لا توافق على ما تبدو أنها السياسة الروسية الفعلية، أي تأسيس نوع من الفدرالية في سورية، تتفق مع توازن القوى الداخلي وتمنح نوعا من الحكم الذاتي في المناطق التي توجد فيها قوة مسيطرة، مثل المنطقة الكردية في شمال سورية أو الجيب السني في منطقة حلب. كما أن إيران ليست راضية عن الدور المركزي الذي منحته روسيا إلى تركيا في تمثيل المتمردين السنة في المحادثات، وعن الاعتراف أيضا بحيز التأثير التركي في شمال سورية. وتتعاون إيران مع روسيا في هذه المرحلة، لكنها في موازاة ذلك تساعد الأسد على توسيع سيطرته في مناطق أخرى وتواصل تزويد السلاح لذراعها التنفيذية المركزية، أي حزب الله".

وأشارت الورقة إلى أنه "ليس واضحا تماما مدى استعداد روسيا لأخذ رغبات إيران بالحسبان، وليس مستبعدا أنه يوجد تناقض مصالح بين الدولتين. رغم ذلك، تواجه موسكو صعوبة في الاستجابة إلى مطالب الولايات المتحدة بتقليص التأثير الإيراني في سورية بعد أن زوّدت إيران ’الأحذية على الأرض’ (أي القوات)، والتي سمحت بانتصار الائتلاف الداعم للأسد في حلب. إضافة إلى ذلك، توجد لروسيا مصالح واسعة ومتنوعة أكثر تربطها بإيران، مثل الطاقة وبيع السلاح والتجارة وغيرها".

إسرائيل وتوازن القوى في سورية

وفقا لورقة تقدير الموقف، فإن "إسرائيل تدرك أنه انتهت مرحلة القتال الأساسية في الحرب الأهلية في سورية"، و"بدأت معركة جديدة على بلورة سياسية لوجه سورية"، وأنه على ضوء ذلك، زار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، موسكو والتقى مع بوتين، في التاسع من آذار الفائت. وركز نتنياهو في هذا اللقاء مع الرئيس الروسي، وهو الخامس منذ بدء التدخل العسكري الروسي في سورية، على استياء إسرائيل من مركزية إيران في سورية ومن توقع بقاء قوات إيرانية وقوات أخرى تحت رعايتها في سورية في إطار تسوية مستقبلية.

وفيما تدعي إسرائيل أنها لا تتدخل في الحرب الدائرة في سورية، قالت الورقة إن "إسرائيل وضعت مجددا خطوطها الحمراء، وأهمها منع نشر قوات إيران وأذرعها (حزب الله وميليشيات عراقية) في جنوب سورية، وبالقرب من الحدود (أي خط وقف إطلاق النار، من العام 1974، في هضبة الجولان والذي تعتبره إسرائيل أنه حدودها مع سورية). وعلى ما يبدو أن هذه الخطوط الحمراء هي الخلفية للغارة الجوية (في 17 آذار الفائت) في عمق سورية، وعلى مخزن يستخدمه حزب الله و/أو القوات الخاضعة لإيران. وتدل المحاولة السورية لاعتراض الطائرات المهاجمة بواسطة صواريخ أرض – جو من طراز SA-5 على نوعية الأهداف التي تمت مهاجمتها وكذلك على تغيير محتمل لقواعد اللعبة، بأن سورية لم تعد مستعدة لامتصاص هجمات إسرائيلية من دون رد. واستدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو إلى محادثة استيضاح في أعقاب هذا الحدث غايته التعبير لإسرائيل عن استياء روسيا من توسيع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في عمق سورية".

واعتبرت الورقة أن "روسيا تنظر إلى إسرائيل على أنها دولة عظمى إقليمية بمقدورها التأثير على مجمل التطورات في الحلبة السورية. ولديها مصلحة مثبتة في تنسيق خطواتها في المنطقة مع إسرائيل، من خلال الامتناع عن احتكاك عسكري معها، ويجري بين الجانبين تنسيق أمني في الحيز السوري، أثبت نجاعته. كذلك هناك وعي روسي حيال مصلحة إسرائيل في منع استقرار قوات خاضعة لإيران بالقرب من حدودها، إلى جانب حساسيتها للوجود الإيراني في سورية عموما، وروسيا لا تعارض تنسيقا إستراتيجيا مع إسرائيل حول مستقبل الحيز السوري".

لكن من الجهة الأخرى، أشارت الورقة إلى أن إيران لا تأبه بالتهديدات الإسرائيلية لمنع نشر قوات تابعة لإيران قريبا من خط وقف إطلاق النار في الجولان. وقالت الدراسة إن "الإيرانيين أعلنوا عن تشكيل قوة جديدة في إطار الميليشيات الشيعية العراقية حزب الله النجباء، التي تقاتل في سورية تحت قيادة إيرانية. وأعلن المتحدث باسم هذه القوة إنها لن تخرج من سورية حتى طرد آخر الإرهابيين عن أراضيها، كما أنه يجري تشكيل قوة مقاتلة في سورية من أجل تحرير هضبة الجولان".
وقالت الورقة إن إسرائيل تشعر بأنها "فاقدة التأثير" على المحادثات حول مستقبل سورية التي تجري في موسكو وطهران وأنقرة وأستانة وجنيف. وفي الوقت نفسه، فإن إسرائيل تسعى إلى طرح تخوفاتها وخطوطها الحمراء وبحزم. وهذا الوضع دفع نتنياهو إلى زيارة موسكو، مؤخرا، وقبل زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وزيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني. ورأت الورقة أن "روسيا ستحاول طبعا تهدئة تخوفات جميع هؤلاء اللاعبين وتمرير رسائل سرية فيما بينهم كوسيطة. وفي هذه المعركة، تؤدي الولايات المتحدة دورا ثانويا، ولا تقف في مقدمة مسرح الأحداث وتحافظ على سرية أوراقها".

ودفع هذا الوضع المعقد في سورية نتنياهو إلى التحدث عن الغارة، بصورة غير مألوفة، لأن إسرائيل لا تتحمل عادة مسؤولية الغارات التي تشنها في سورية. وقال نتنياهو إن "سياستنا مثابرة جدا، وعندما نرصد محاولات لنقل أسلحة متطورة إلى أيدي حزب الله، وتتوفر بحوزتنا المعلومات الاستخباراتية والإمكانية التنفيذية العسكرية، فإننا نعمل من أجل منع ذلك. هكذا كان وهذا ما سيكون. وبإمكاني أن أتحدث عن إصرارنا وهو صلب، والدليل على ذلك هو أننا نعمل. وكل واحد يجب أن يأخذ ذلك بالحسبان، الجميع".

ورأت الورقة بأقوال نتنياهو هذه أنها تعبر عن قرار إسرائيل "بزيادة التدخل في ما يجري نسجه في سورية، على ضوء التقديرات أن توازن القوى يتغير في غير مصلحتها. والسؤال الكبير هو: إلى أي حد بإمكان إسرائيل أن تكون حازمة في الحفاظ على الخطوط الحمراء التي وضعتها وفي منع تعاظم قوة حزب الله وأذرع إيران الأخرى في سورية، وذلك من دون أن تقوض علاقاتها المميزة مع موسكو ومن دون التسبب بتصعيد واسع في الجبهة (الإسرائيلية) الشمالية؟".

رسائل إسرائيلية

ذكر محلل الشؤون الأمنية في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، يوم الجمعة الماضي، أن إسرائيل مررت رسائل من خلال الأطراف غير السورية الضالعة في المحادثات حول مستقبل سورية، قالت فيها إنها ستكون مستعدة لتقليص تدخلها في سورية، أي تقليص الغارات التي تشنها بين حين وآخر في عمق الأراضي السورية، مقابل تسوية أو تفاهمات صامتة تقضي بمنع إيران وحزب الله ومليشيات شيعية أخرى من الاقتراب إلى مسافة معينة من خط وقف إطلاق النار في الجولان.

وأضاف ميلمان أن إسرائيل ستوافق على أن "يعود جيش نظام الأسد إلى المنطقة الحدودية هذه بموجب اتفاق فصل القوات بين الدولتين من العام 1974".

وبحسب ميلمان، فإنه تسود تخوفات لدى القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، من أن التوصل إلى تسوية تُبقي الأسد في الحكم سيجلب إيران إلى نشر قوات موالية لها في مناطق قريبة من الجولان المحتل، وأن "هذا الموضوع أهم بالنسبة لإسرائيل من الغارات التي تشنها في عمق الأراضي السورية".

وتابع أن هذه التخوفات تفسر الزيارات المتكررة لنتنياهو إلى روسيا، ولقاءاته مع بوتين، إضافة إلى عشرات الاتصالات الهاتفية، وزيارات ضباط في الجيش الإسرائيلي ووزراء إلى موسكو. "وفي إسرائيل يعرفون أن زمام الأمور بيدي موسكو والإجابات التي سمعها نتنياهو من بوتين في زيارته الأخيرة لموسكو لم تكن واضحة. لكن الانطباع لدى مسؤولين سياسيين وأمنيين إسرائيليين هو أن بوتين يدرك قلق إسرائيل ومصالحها الأمنية".