تلقت وزارة المالية الإسرائيلية ومن يقف على رأسها الوزير موشيه كحلون (رئيس "كلنا")، مؤخرا، ضربة قاسية، حينما قررت المحكمة العليا الغاء القانون الذي بادر له كحلون مع الوزارة، لفرض ضريبة اضافية على كل من يملك بيتا ثالثا وأكثر، بدعوى أن مسار التشريع كان يشوبه خلل. وفي قرار طويل ومفصل، قال القضاة إن كحلون ووزارته فشلا حينما عملا على تغيير القانون في اللحظة الأخيرة، وأقراه في الكنيست بمسار سريع، ومن خلال الضغط على نواب الائتلاف، وبضمنهم رئيس لجنة المالية البرلمانية النائب موشيه غفني (حريدي).

 

صحيح أن وزارة المالية فشلت في أدائها، لكن منذ البداية كان واضحا أنه لم يكن أمل للضغوطات التي مارستها في هذا الشأن. وحسب الوزارة، فإن الحديث يجري عما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف شخص يملك كل واحد منهم ثلاثة بيوت وأكثر، وهذا جمهور هو بغالبيته الساحقة من الأقوياء اقتصاديا، والضريبة المقترحة ليست بهذا القدر الكبير.

وإذا كان الهدف من هذا، تهدئة وتيرة بيع البيوت للاستثمارات، من أجل تحرير بيوت للسوق وزيادة العرض أمام الجمهور، فما السيء في هذا؟. إلا أنه تحالفت ضد هذه الفكرة بسرعة قوى من الائتلاف والمعارضة في الكنيست، التي آذانها كانت ناصتة أكثر لضغوط مالكي البيوت، أكثر من الحاجة إلى تحرير أكبر كم من البيوت للسوق. كذلك في وزارة المالية كانت هناك معارضة لهذا القانون.

وعرض القانون على المحكمة العليا بطلب الغائه لم يكن مجرد إجراء عابر. ففي أحيان نادرة تتدخل المحكمة العليا في شؤون الكنيست الداخلية، لكن الكنيست تخطئ بوتيرة عالية في تمرير قوانين بمسارات تشريع متسرعة يشوبها الخلل الكثير. وبشكل ما أو لأسباب عديدة، فإن غالبية هذه القوانين لا تصل إلى المحكمة العليا، فمن أجل نقل القوانين للمحكمة – كما حدث هنا- هناك حاجة لقوى قوية أكثر وبقدر كاف يسمح بأن تكون لها ثلاثة بيوت وأكثر، أو أن يكون هناك أصدقاء وداعمون لديهم ثلاثة بيوت وأكثر.

لقد اكتسب كحلون هالته بأمر واحد ووحيد: تخفيض أسعار الاتصالات الخليوية بمئات الشواكل شهريا للمستهلك الواحد، حينما كان وزيرا للاتصالات. وقد كان هذا حدثا خارجا استثنائيا، وصارع خلاله ثلاثة أشخاص ذوي قوة مالية ضخمة، وسيطروا على ثلاث شركات اتصالات لديها 8 ملايين مشترك.

ومع توليه وزارة المالية أراد الاستمرار في ركوب الموجة، ووضع علامة على مجالين أراد أن يخفض فيهما ارتفاع الكلفة، وبالتالي غلاء المعيشة: الجهاز البنكي، وأسعار البيوت. وعلى هذا الأساس بادر إلى تشكيل لجنة خاصة بشأن البنوك، أوصت بفصل شركات بطاقات الاعتماد عن البنوك الكبرى، من أجل تشجيع شركات الاعتماد على المنافسة. وعلى هذا الأساس أيضا، أقدم على سلسلة اجراءات في سوق البيوت، وبضمن ذلك أن أخذ لنفسه ضمن اتفاقيات الائتلاف قسم تنظيم وتسويق الأراضي، ثم القيام بحملات تخفيض خاصة لمن يشتري بيتا واحدا، بدعم من الحكومة وعلى حساب خزينتها. ولكننا في البنوك لم نر بعد نتائج حقيقية، لأنها ما تزال تملك شركات بطاقات الاعتماد. أما أسعار البيوت فقد ارتفعت بنسبة 12% منذ أن تولى كحلون منصبه ( قبل 27 شهرا).

إن ممارسة كحلون للضغوط من أجل تحقيق انجازات واضحة لحل أزمة أسعار البيوت، جعلته يقلب كل حجر لتحقيق ما سعى له، وعلى هذا الأساس ولدت فكرة فرض ضريبة اضافية على مالكي ثلاثة بيوت وأكثر. وهذه فكرة تبلورت في قسم الميزانيات في الوزارة، واعتمدت على مبدأ أنه فقط بواسطة المس بالجيوب، سيبتعد المستثمرون عن سوق البيوت، وكان من المفروض أن إجراء كهذا سيدخل لخزينة الدولة 900 مليون شيكل سنويا (250 مليون دولار).

وإذا كنت تملك ثلاثة بيوت وأكثر، فبالتأكيد أن هذا سيثير غضبك، أما من ناحية اقتصادية، فإن هذه فكرة صحيحة وناجعة. ففي أماكن كثيرة في العالم، يتم فرض ضرائب على المستثمرين في البيوت، من أجل منع رفع حاد في أسعارها، وبذلك ضرب جمهور المواطنين. في نيوزيلندا مثلا، تفرض ضريبة على المستثمرين الأجانب في سوق البيوت، لأن المستثمرين هم في الغالب صينيون يأتون للتمتع من جهاز التعليم المحلي. ويأتي الصينيون مع أموال كثيرة، وليست لديهم مشكلة في دفع أثمان عالية على البيوت، إلا أن الحكومة تهتم بمواطنيها، ولهذا تفرض ضريبة على المستثمرين الأجانب. كما أن بلدية برلين سنّت في الآونة الأخيرة قانونا يفرض غرامات باهظة على من يؤجرون بيوتهم بأسعار عالية، بهدف منع ارتفاع أسعار البيوت.

ولكل مكان روايته، ولكن نقطة الهدف واضحة: حينما ترتفع أسعار البيوت بانفلات، يجب فحص دور المستثمرين الأقوياء، من أجل تقليص تأثيرهم. وعندنا فإن فرض الضريبة ليس موجها بالذات ضد المستثمرين الأجانب، وإنما ضد المستثمرين جميعا، بمن في ذلك أناس عاديون وفروا من أموالهم الجارية، ورأوا بشراء البيوت استثمارات جيدة، تطيب في المداخيل في فترة التقاعد.

إلا أنه على ضوء التطورات في السنوات العشر الأخيرة، كان لا بد لوزارة المالية أن تتحرك في كل جبهة ممكنة، من أجل لجم أسعار البيوت: تسويق أكبر قدر من الاراضي، وتخطيط عدد أكبر من مشاريع الاسكان، وإزالة عوائق بيروقراطية، واستبعاد المستثمرين، وجامعي البيوت، وكل هذا من خلال فرض ضرائب.

قانون الضريبة على البيت الثالث وأكثر، ورفع ضريبة شراء البيوت، فعلا فعلهما في جزء من المهمة، وقلصا بنسبة عالية من حصة المستثمرين في شراء البيوت، من 25% من مالكي البيوت قبل كحلون إلى 16% في الأشهر الأخيرة. ولكن هذا لم يؤد إلى تخفيض كبير في أسعار البيوت، لأن الحديث يجري عن سوق معقدة، واقعة تحت تأثيرات عديدة. وبالإمكان الافتراض بأن وزارة المالية ستحاول تمرير ذات القانون الذي رفضته المحكمة العليا، بعد اجراء تعديلات طفيفة عليه، وإذا لم تنجح في هذا فإن الوزارة ستثقل يدها على المستثمرين بطرق أخرى.

إذا كان هناك مغزى مثير من كل هذه الرواية، فإنه يتركز في قدرة كحلون على فرض ضربات، إذ يوظف كحلون في الأشهر الأخيرة جهودا عظيمة من أجل تحسين صورته كوزير جيد، أحضر معه برامج اقتصادية تحسن من مداخيل العائلة، مثل امتيازات ضريبية وغيرها للزوجين العاملين مع أولاد صغار، وتخفيض ضرائب على الأحذية وأجهزة الهواتف الخليوية. ومن بين أهداف هذه الاجراءات، التعويض عن الضرر الذي لحق بصورته لدى المستثمرين في البيوت والمقربين منهم. إلا أن كحلون اكتشف أن اصحاب البيوت هم ليسوا كأصحاب شركات الهواتف الخليوية، وإنما جمهور واسع ومتداخل جيدا في أروقة الكنيست والحكومة.

هذا الأمر يثير أسئلة، حول جاهزية كحلون لاتخاذ اجراءات لا تحقق الشهرة، منذ الآن وحتى نهاية ولايته. فمنذ قضية سلطة البث العام، فإنه يتصرف كمن يريد حملة انتخابية في كل لحظة. ومعارضة ضريبة البيوت التي اصطدم بها، توضح لماذا اختار في بداية ولايته الاصطدام بعدد أقل من المجموعات القوية، مثل اتحاد النقابات وجهاز الأمن. إلا أنه اكتشف أن في إسرائيل ثمة مجموعات قوية أخرى ذات تأثير كبير، حتى وإن كان لا يرى وجها واحدا يدعمها، مثل مستثمري البيوت (الذين نشطوا من وراء الكواليس).

 

(بتصرّف عن صحيفة "ذي ماركر")