سجل التضخم المالي في شهر حزيران الماضي تراجعا بنسبة 7ر0%، محدثا مفاجأة لم تتوقعها الأوساط الاقتصادية، فهذه المرّة الأولى التي يسجل فيها مثل هذا الشهر تراجعا، رغم أنه شهر موسمي، وثانيا، النسبة العالية التي تراجع بها نسبيا، إذ أن التضخم شهد في السنوات الأربع الأخيرة تراجعات بنسب مشابهة، ولكن في الشهر الأول من كل عام وليس في منتصفه.

 

وكما يبدو، فإن التضخم تأثر في الشهر الماضي من استمرار تراجع سعر صرف الدولار، الذي شهد في الأسبوعين الأخيرين ارتفاعا طفيفا، وأيضا بسبب بدء حملات تخفيض أسعار مبكرة في السوق الاستهلاكية. وبهذا التراجع، يكون التضخم المالي قد سجل في الأشهر الـ 12 الأخيرة تراجعا بنسبة 2ر0%، وفي النصف الأول من العام الجاري بنسبة صفر بالمئة.

وحسب وتيرة التضخم في السنوات الأخيرة، فإنه في النصف الثاني من كل عام يسجل التضخم تراجعات، ما يعني أن التضخم المالي في العام الجاري إما أن يبقى عند صفر بالمئة، أو أن يسجل تراجعا طفيفا، إلا في حال عاد سعر صرف الدولار ليسجل ارتفاعا حتى نهاية العام، يعيد فيه سعر الصرف إلى ما كان عليه في مطلع العام الجاري، عند محيط 7ر3 شيكل للدولار، مقابل حوالي 55ر3 شيكل حاليا.

ومن شأن تراجع التضخم في الشهر الماضي أن يلغي تقديرات بنك إسرائيل المركزي التي طرحها في نهاية العام الماضي، بأن التضخم في 2017 سيرتفع بأقل من 1%، بمعنى أقل من الحد الأدنى الذي تطرحه السياسة الاقتصادية بأن يكون التضخم ما بين 1% إلى 3%. في حين أن التضخم سجل في السنوات الثلاث الماضية تراجعات كالتالي: في 2014 تراجع بنسبة 2ر0%، وفي 2015 تراجع بنسبة 1%، وفي 2016 تراجع التضخم بنسبة 2ر0%.

رفع تقديرات النمو

وكان بنك إسرائيل قد رفع في تقريره الدوري في الأيام الأخيرة، تقديراته للنمو الاقتصادي للعام الجاري 2017 إلى نسبة 4ر3%، بدلا من تقديرات بـ 8ر2%، كما ورد في شهر نيسان الماضي. كما يتوقع البنك ارتفاع النمو في العام التالي بنسبة 3ر3%.

وكان النمو الاقتصادي قد ارتفع في العام الماضي 2016، بنسبة 4%، وهي النسبة الأعلى منذ أربع سنوات. وقال البنك المركزي إن ركائز النمو في العام الماضي ليست من تلك التي تضمن نموا لأمد أبعد، وعلى الحكومة أن تعرف مواطن الضعف، وبالذات زيادة الميزانيات لمشاريع البنى التحتية، وفتح ابواب عمل أكثر امام جمهوري "الحريديم" والعرب، للانخراط بنسبة أكبر في سوق العمل.

ولأول مرة، بالإمكان القول إن منظمة التعاون بين الدول المتطورة OECD، قد سبقت بنك إسرائيل المركزي في رفع توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي، إذ قالت إن النمو سيرتفع هذا العام بنسبة 2ر3%، وفي العام التالي بنسبة 8ر3%، في الوقت الذي خفض فيه البنك المركزي قبل ثلاثة أشهر إلى نسبة 9ر2%، مقابل 4% في العام الماضي كما ذكر.

وكان البنك المركزي قد خفض في نيسان توقعاته، بسبب التراجع الملحوظ في استيراد السيارات في العام الجاري بنسبة 12%، بعد أن كان استيراد السيارات في العام الماضي قد سجل ذروة غير مسبوقة، ببيع 287 ألف سيارة. وحسب البنك في حينه، فإنه لو بقي استيراد السيارات على ذات مستواه في العام الماضي، لسجل النمو ارتفاعا بنسبة 3ر3%.

ويقول البنك المركزي في تقريره الأخير إنه قرر رفع تقديراته بسبب النمو السريع في الصادرات وفي الاستثمارات. وقال إن الارتفاع في الصادرات، الحاصل في الاشهر الأخيرة، يعود إلى حالة انتعاش في الأسواق العالمية. في الوقت ذاته أشار البنك إلى أنه يرفع تقديرات النمو على الرغم من لجم وتيرة ارتفاع الاستهلاك الفردي، الذي هو مؤشر لارتفاع مستوى المعيشة.

إلى ذلك، قرر البنك المركزي الابقاء على نسبة الفائدة الأساسية التي تلامس الصفر بالمئة، 1ر0%. وقال البنك إن قراره التالي بشأن الفائدة البنكية سيصدر يوم 29 آب المقبل، وحتى ذلك الحين تكون نسبة الفائدة قد مرّ عليها عامان ونصف العام. وكانت للبنك المركزي توقعات سابقة بأن تعود الفائدة إلى مسار الارتفاع في الربع الأخير من العام الجاري 2017، إلا أن التقديرات الجديدة تتحدث عن النصف الثاني من العام المقبل، 2018.

سعر صرف الدولار

أعلنت محافظة بنك إسرائيل المركزي كارنيت فلوع أن البنك سيواصل سياسة شراء العملات الأجنبية وخاصة الدولارات، في محاولة لرفع سعر صرفه امام الشيكل، الذي بلغ في نهاية حزيران الماضي أدنى مستوى له، منذ العام 2014. غير أن الدولار سجل في الاسبوعين الماضيين ارتفاعا بأكثر من 2%، ولكنه ما يزال أقل بنسبة 9% عن سعره في مطلع العام 2016.

وحسب ما ورد، فإن البنك المركزي اشترى في النصف الأول من العام الجاري 6 مليارات دولار، ولكن هذا لم يمنع تراجعه بنسبة 5%، ما بين آذار إلى نهاية حزيران الماضيين. وتقول تقارير اقتصادية إنه إلى جانب العوامل القائمة في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن ما يبدو من علامات سؤال على مستقبل دونالد ترامب في البيت الابيض، وما يظهر من قلاقل في إدارته، يلعب هو أيضا في وضعية سعر الدولار في الأسواق العالمية، لتنعكس مباشرة على سعر الصرف أمام الشيكل.

وكان سعر صرف الدولار قد بدأ يشهد تراجعات حادة ابتداء من النصف الأول من العام 2007. فعلى سبيل المثال لامس سعر صرف الدولار أمام الشيكل في صيف العام 2004، وبعده بقليل، سعر 5 شيكلات للدولار، ولكن سرعان ما تراجع إلى 3ر4 شيكل للدولار، وهو السعر الثابت الذي استمر لعامين ونصف العام. وفي العام 2008، هبط سعر الدولار إلى 2ر3 شيكل للدولار، وبعدها بدأ يرتفع وفي غضون عامين بدأ يتراوح سعره ما بين 75ر3 إلى 95ر3 شيكل للدولار.

وفي العام 2014، عاد الدولار وانهار إلى مستوى 5ر3 شيكل للدولار، كما هو الآن، ولكن في غضون ستة أشهر، أي حتى نهاية ذلك العام ذاته، عاد الدولار إلى معدل 9ر3 شيكل للدولار. ثم بدأ يتراجع تدريجيا في العام 2016، وازدادت وتيرة تراجعه في العام الجاري 2017، إذ تراجع سعر الصرف منذ مطلع شهر آذار الماضي وحتى اليوم، أي أكثر بقليل من ثلاثة أشهر، بنسبة 5%.

ويشكل تراجع سعر صرف الدولار، وأيضا اليورو، ضربة حادة لقطاع الصادرات، الذي يتراجع مردوده المالي بالعملة المحلية، التي تغطي القسم الأكبر من كلفة الانتاج، إذا لم يكن كل الكلفة. ولذا فإن المصدرين يطالبون باستمرار بتسهيلات وتعويضات من الحكومة، وقد كان مثل هذا الدعم في العام 2008. وفي المقابل، الجمهور لا يلمس انعكاسا لتراجع سعر الدولار على أسعار المواد والبضائع المستوردة، أو تلك التي فيها مواد خام مستوردة باستثناء تراجع طفيف في أسعار الوقود.

ارتفاع عجز الميزان التجاري

على صعيد متصل، قال تقرير لمكتب الاحصاء المركزي إن العجز في الميزان التجاري سجل في العام الماضي 2016، أعلى مستوى له منذ العام 2012، على ضوء انخفاض وتيرة ارتفاع الصادرات الإسرائيلية مقابل ارتفاع الاستيراد.

وبموجب التقرير، بلغ حجم العجز في الميزان التجاري في العام الماضي 7ر8 مليار دولار، مقابل 3ر2 مليار دولار في العام 2015، و2ر4 مليار في العام 2014، و8ر3 مليار في 2013، ثم 2ر7 مليار دولار في العام 2012.

وحسب التقرير، فإن السبب الأبرز لارتفاع العجز في الميزان التجاري، كان التراجع بنسبة 14% في صادرات المواد الكيميائية والمعدنية، اضافة إلى تراجع بنسبة 9% في صادرات المعدات الالكترونية.

وبلغ حجم الصادرات الصناعية الإسرائيلية من دون المجوهرات في العام الماضي، 5ر43 مليار دولار، مقابل 45 مليار دولار في العام قبل الماضي 2015. وبلغ حجم الصادرات من الأدوية وقطاع التقنية العالية 1ر21 مليار دولار، ما يعني نصف الصادرات الصناعية تقريبا.

وعلى الرغم من هذا، فإن تقرير مكتب الاحصاء يقول إن الجانب الايجابي في قطاع الصادرات هو أن التراجعات حصلت في النصف الأول من العام الماضي، بينما في النصف الثاني، وخاصة في الربع الأخير من العام الماضي، سجلت الصادرات ارتفاعا ملحوظا وعوضت عن التراجعات، وهذا يُعد مؤشرات لوضعية الصادرات في العام الجاري 2017.