يواصل سعر صرف الدولار أمام الشيكل تراجعه في الايام الأخيرة، إذ تراجع منذ مطلع العام 2016 وحتى هذه الايام بما يزيد عن نسبة 10%. وتقول تقارير اقتصادية إنه إلى جوانب العوامل القائمة في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن ما يبدو من علامات سؤال على مستقبل دونالد ترامب في البيت الابيض، وما يظهر من قلاقل في إدارته، يلعب هو أيضا دورا في وضعية سعر الدولار في الأسواق العالمية، لتنعكس مباشرة على سعر الصرف أمام الشيكل.

 

وكان سعر صرف الدولار قد بدأ يشهد تراجعات حادة ابتداء من النصف الأول من العام 2007. فعلى سبيل المثال، لامس سعر صرف الدولار أمام الشيكل في صيف العام 2004، وبعده بقليل، سعر 5 شواكل للدولار، ولكن سرعان ما تراجع إلى 3ر4 شيكل للدولار، وهو السعر الثابت الذي استمر لعامين ونصف العام. وفي العام 2008، هبط سعر الدولار إلى 2ر3 شيكل للدولار، وبعدها بدأ يرتفع وفي غضون عامين بدأ يتراوح سعره ما بين 75ر3 إلى 95ر3 شيكل للدولار.

وفي العام 2014، عاد الدولار وانهار إلى مستوى 5ر3 شيكل للدولار كما هو الآن، لكنه في غضون ستة أشهر، أي حتى نهاية ذلك العام ذاته، عاد الدولار إلى معدل 9ر3 شيكل للدولار. ثم بدأ يتراجع تدريجيا في العام 2016، وازدادت وتيرة تراجعه في العام الجاري 2017، إذ تراجع سعر الصرف منذ مطلع شهر آذار الماضي وحتى اليوم، أي أكثر بقليل من ثلاثة أشهر، بنسبة 5%.

ويشكل تراجع سعر صرف الدولار، وأيضا اليورو، ضربة حادة لقطاع الصادرات، الذي يتراجع مردوده المالي بالعملة المحلية، التي تغطي القسم الأكبر من كلفة الانتاج، إذا لم يكن كل الكلفة. ولهذا فإن المصدرين يطالبون باستمرار تسهيلات وتعويضات من الحكومة، وقد كان مثل هذا الدعم في العام 2008. وفي المقابل، الجمهور لا يلمس انعكاسا لتراجع سعر الدولار على أسعار المواد والبضائع المستوردة، أو تلك التي فيها مواد خام مستوردة، باستثناء تراجع طفيف في أسعار الوقود.

وقالت مصادر في اتحاد الصناعيين في الأيام القليلة الماضية، إن الصناعيين يطالبون وزارة المالية وبنك إسرائيل المركزي بالشروع بإجراءات سريعة وفورية، كفيلة برفع سعر صرف الدولار أمام الشيكل، بعد تدهوره إلى المستوى الذي كان عليه قبل ثلاث سنوات. وقال الملحق الاقتصادي "مامون" في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن الصناعيين يقولون، إنهم "على شفا كارثة" إذا لم يتم التدخل فورا من أجل وقف تدهور الدولار.

وأضاف "مامون" أن التخوف الأكبر لدى الصناعيين هو اضطرارهم لوقف خطوط انتاج في العديد من المصانع، بعد أن يتبين لأصحابها أن المردود المالي بالشيكل لن يغطي كلفة الانتاج للتصدير، ما سيتسبب لهم بخسائر فادحة. وإغلاق خطوط انتاج سيعني بالضرورة فصل عمال من هذه المصانع. ولذا يطالب الصناعيون بالعمل على رفع سعر صرف الدولار بـ 5% في الفترة القريبة، ثم الاستمرار في الاجراءات، حتى يرتفع بالمجمل بنسبة 10%، بمعنى إلى محيط 8ر3 شيكل للدولار، وهو المستوى الذي قال عنه بنك إسرائيل في فترة سابقة إنه المستوى الذي يستطيع الصناعيون والاقتصاد الإسرائيلي تحمله.

وحسب "مامون"، فإن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى احتمال استمرار تراجع سعر الصرف أمام الشيكل، على ضوء "جودة أوضاع الاقتصاد الإسرائيلي"، وأيضا بسبب تراجع قيمة الدولار في الأسواق العالمية. وتبين أن وزير المالية موشيه كحلون عقد قبل أكثر من أسبوع اجتماعا طارئا بمشاركة عدة أطراف ذات علاقة، بينهم ممثلو اتحاد الصناعيين، للبحث في وضعية الدولار واليورو أمام الشيكل، إلا أنه لم تذكر وسائل الإعلام الإسرائيلية ما تمخض عن ذلك الاجتماع.

العوامل المؤثرة ومواجهتها

وبحسب سلسلة من التقارير ظهرت على مدى السنوات الماضية، فإن اللاعب الأكبر الذي يتسبب في تراجع سعر صرف الدولار هو المستثمرون بالعملات الأجنبية في العالم، إذ كما يبدو يستغلون ما يبدو من استقرار في الاقتصاد الإسرائيلي. ولكن كما ذكر فإن التقارير الأخيرة تقول إن القلاقل التي تظهر في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تلعب هي أيضا دورا في تراجع سعر الدولار أمام العملات العالمية، وخاصة اليورو.

ويقول المحلل الاقتصادي ميكي بيليد، في مقال له في صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية، التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن أحد الأسباب الحديثة لتراجع الدولار، هو عدم وضوح مستقبل الاقتصاد الأميركي، في فترة الرئيس دونالد ترامب، إذ أن الانطباع الناشئ هو أن ترامب يقود الاقتصاد نحو نقاط خطرة لاستقرار الاقتصاد. ويقول بيليد إن رفع الفائدة البنكية الأساسية في الولايات المتحدة الأميركية إلى مستوى 25ر0%، هو أيضا لم يساعد على رفع مستوى الدولار، رغم أن الفائدة في دول أوروبا المتطورة وأيضا في إسرائيل ما زالت تلامس الصفر بالمئة.

وكثف بنك إسرائيل المركزي في السنوات العشر الأخيرة من شراء العملات الأجنبية، وخاصة الدولار، حتى ارتفع احتياطي البنك من العملات الأجنبية، من 28 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام 2008، إلى أكثر من 100 مليار دولار في هذه الأيام. ويرى البنك أنه كان يجب رفع احتياطي الدولار من أجل أن يكون ملائما لحجم النشاط الاقتصادي الإسرائيلي في الأسواق العالمية، إلا أن البنك استخدم شراء الدولارات من أجل محاربة وقف تراجع سعره.

وكما يبدو فإن البنك توقف في الاسابيع القليلة الأخيرة عن شراء الدولارات، ما ساهم في تسريع وتيرة تراجع سعر صرف الدولار. وكانت محافظة بنك إسرائيل المركزي كارنيت فلوغ قد حذرت في وقت سابق من أن توقف البنك عن شراء العملات الأجنبية من شأنه أن يؤدي إلى أضرار لا يمكن اصلاحها للاقتصاد الإسرائيلي. وقد واجهت فلوغ انتقادات من أوساط اقتصادية، ومن مؤسسات اقتصادية عالمية، بسبب سياسة البنك، في حين تلقى سياسة البنك هذه تأييدا جارفا من قطاع المصدرين، الأكثر تضررا من ارتفاع قيمة الشيكل، نظرا لتراجع مردود صادراتهم بالعملة الإسرائيلية، في حين أن كلفة العمل ارتفعت في العامين الأخيرين، بنسبة ملحوظة، وجزء من هذا الارتفاع يعود إلى ارتفاع الحد الأدنى من الأجر.

وتقول فلوغ إن سياسة شراء العملات الأجنبية هي جزء من سياسة الفائدة لدى البنك المركزي وجزء من نهج البنك لتطبيق أهداف السياسة الاقتصادية، والتي هي: الحفاظ على استقرار الأسعار؛ دعم السياسة الاقتصادية الحكومية التي تهدف إلى ضمان النمو الاقتصادي وفتح أماكن عمل وتقليص الفجوات بين الشرائح المختلفة وضمان استقرار مالي.

وأضافت فلوغ أنه خوفا من توجيه ضربات لقطاع الصادرات، فإن البنك يتبع سياسة شراء العملات الأجنبية بشكل متعاظم. فالبنك الذي يغلق ابوابه بسبب تراجع مردود الصادرات لن يفتح ابوابه مجددا. وبواسطة شراء العملات في بنك إسرائيل يلجمون ارتفاع قيمة الشيكل، لكن في المقابل على المصدرين أن يلائموا انفسهم للأوضاع الناشئة، وأن يضمنوا استمرار قدرتهم على المنافسة في الاسواق العالمية.

وتقول فلوغ إنه على الرغم من شراء العملات الأجنبية، وارتفاع احتياطي بنك إسرائيل المركزي إلى أكثر من 100 مليار دولار، فإن الاحتياطي ما يزال يشكل 30% من حجم الناتج العام. بينما في دولة مثل سويسرا، فإن حجم الاحتياط من العملات يعادل حجم الناتج. وفي التشيك يصل حجم الاحتياط إلى 60% من حجم الناتج العام.